• السبت 21 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر09:45 ص
بحث متقدم

السودان..عمقنا الشقيق وأمننا العميق (مئوية البكباشى)

مقالات

ستكون مضطرا وأنت تتألم على تردى العلاقة هذه الايام مع السودان أن تتذكر أن هذا العام 2018 يحتفل (عبيد الأوهام) بمئوية أبو الهزائم البكباشى ج.ح.عبد الناصر المولد فى 1918 ..أيضا حين تستبد بك الأوجاع وتتألم على القدس/فلسطين ستتذكر مئوية البكباشى.. وحين يعتصرك الألم وتتحسر الحسرة الحسيرة على ظاهرة الحاكم النمرود المفترى على شعبه ستتذكرمئوية البكباشى..وحين يفيض منك الدمع _ يوميا تقريبا _على شهدائنا فى سيناء(سدس مساحة مصر)ستتذكر مئوية البكباشى..وحين تضع رأسك بين كفيك كمدا وهما وأنت ترى التشدد والتطرف والإرهاب الذى ولد وترعرع فى زنازين الخمسينيات والستينيات ستتذكر مئوية البكباشى ...الخ ..الخ 
لا علينا يا إخوتى  هذا هو التاريخ كما يقولون وليذهب البكباشى وعبيد البكباشى إلى أليق مكان بهم فى تاريخ ..نحن فقط نراجع تاريخنا لنستفيد به لا لننسحق به ولا لنسيء إلى أنفسنا بل لنطهرها كما كان يقول جمال حمدان رحمه الله وصحيحة تماما مقولة كيسنجر من أن التاريخ منجم زاخر بالحكمة التي قد نجد فيها المفاتيح الذهبية لمشاكل حاضرنا. وهى كثيرة فى حقيقة الأمر يا إخوتي ولعل أخطرها ذاك التوتر المتصاعد كل يوم مع دماؤنا الممدودة عبر النهر والوادى..وأعنى السودان .
الكلام عن السودان ليس كباقى الكلام..ويكفى ذاك التشبيه الذى قاله الزعيم مصطفى النحاس أثناء مفاوضات معاهدة 1936( تقطع يدى ولاتفصل السودان عن مصر)كان الرجل زعيما تاريخيا محكوم بنظر استراتيجي للمستقبل ومنذ ظهور مصر كفاعل أساسى فى الشرق الأوسط كانت العقيدة الوطنية الثابتة أنه لا يُمكن فصل البلدين..ويحكون عن الأمير عمر طوسون(1872-1944)وقد كان احد أفضل و أهم أمراء الأسرة العلوية أنه قال فى رده على قول لبعض من كان يردد بأن اتحاد مصر والسودان ماهو إلا استعمار مصرى للسودان..رد بمقولة غاية فى الأدب والفهم العميق للتاريخ والجغرافيا والاستراتيجيا (فلتستعمرنا السودان إن لم نستعمرها). 
تقول الحكاية أن محمد على باشا وبعد حروب الجزيرة العربية(1812-1816) وبعد استقرار حكمه ناقش مع مستشاريه فكرة السيطرة على منابع النيل وإخضاعها لحكم مصر فالنيل بالنسبة لمصر هو الحياة كما يقولون فأعد الرجل جيشا كبيرا يقوده ابنه إسماعيل كامل وبالفعل وفى 7/7/1820 تجمعت كل فرق هذا الجيش  ووحداته فى أسوان وانطلق الفتح: دنقلة  كورتى/  بربر/  شندى وظل إسماعيل يتوغل فى البلاد إلى أن بلغ ملتقى النهرين لكن الرجل قتل على يد الملك نمر حاكم شندى وماكان لنابليون الشرق وحبيب المصريين إبراهيم باشا أن يغيب عن ما يجرى جنوبا فيصل الى الخرطوم التى كانت قد وضعت نواتها كعاصمة لتلك البلاد ويجىء إمداد بجيش ثالث على رأسه زوج ابنة محمد على (محمد بك الدفتردار) الذى دخل كردفان..خلال عامين كانت الجيوش المصرية تمتد فى أعماق السودان وكانت مجهزة لأن تتقدم الى أثيوبيا  لكن انجلترا أرسلت إلى محمد على من  يحذره من تلك الخطوة..وبالفعل توقف لحسابات إقليمية معقدة كانت تجمع وتضرب وتقسم حول الشرق الجديد الذى بدا أن هناك من يحمل له راية عالية. سيخوض الخديوى اسماعيل بن ابراهيم باشا بعد ذلك حربا طويلة مع أثيوبيا (1868-1876).
بضم السودان إلى مصر تكون قد تكونت  قوة إقليمية إستراتيجية قادرة على ان تفرض كلمتها فى القارة الافريقية كلها و كان حاكم مصر حاكما للسودان وتمكن الجيش المصرى من جمع شتات القبائل المتناحرة بأرض السودان وجمعها في دوله واحده تابعه للحكم الملكي المصري منذ حكم محمد علي باشا حاكم مصر والسودان ..وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر أجبرت بريطانيا الحكومة المصرية على توقيع اتفاقية للحكم الثنائي في السودان(1899) والتى بموجبها أصبحت السودان خاضعة للحكم البريطاني والمصري وظل العلم المصرى مرفوعا إلى جوار العلم الانجليزي وظلت البعثات التعليمية والصحية والخدمية تُرسل بشكل منتظم من مصرإلى السودان وظلت قضايا السودان ضمن القضايا ذات الأولوية القصوى والاستراتيجية لدى كل  الحكومات المتعاقبة فى مصر طوال العهد الملكى.
سيحاول الانجليز إخراج مصرمن السودان بشتى الطرق  لمنع وجود دولة ذات وزن إقليمى ضخم وتحت يدها كل تلك الثروات ويشقها أطول انهار الدنيا..وكانت الحكومات المصرية المتعاقبة مليئة برجالات يفهمون منطق الاستراتيجيا فى حركة التاريخ وصنع السياسات..ومشهورة استقالة سعد باشا زغلول سنة 1924  حين استغلت انجلترا مقتل السير لى ستاك سردار الجيش البريطانى فى السودان لتعديلات اتفاقية السودان 1899 لتسحب الجيش المصرى منها تماما .
وقبل الحركة المباركة وأثناء ترتيبات الشرق الأوسط لمرحلة ما بعد خروج الأسد الانجليزى الجريح من الحرب العالمية الثانية وتسليم الملفات كلها إلى الامريكى الجديد الوكيل القوى للغرب الاستعمارى فى القرن العشرين وتحديدا فى عام 1951 قدمت بريطانيا مشروع قانون لمنح السودان الحكم الذاتى وهو ما رفضته مصر بقوة وسافر محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية إلى الأمم المتحدة ليعرض اتفاقية البلدين بضرورة وحدة وادى النيل لاستقرار الشرق الأوسط كله..لكن الأحداث كانت أسرع..وجاءت الحركة المباركة التى أسندت الملف السودانى للأحمق الكبير الصاغ صلاح سالم الذى لم تكن له أى خبرات سياسية غير انه ولد فى السودان حين كان أبوه موظفا فيها سنة 1920 ..خلال العامين التاليين كانت المفاوضات المعلنة والخفية تدور رحاها بتسارع مريب للغاية بين الضباط الطامحين وانجلترا..ستخرج القوات البريطانية من مصر بموجب اتفاقية الجلاء الشهيرة والتى عارضها كل السياسيين المخضرمين وسيكون أهم شروط هذه الاتفاقية منح السودان حق تقرير المصير كانت انجلترا مرعوبة من وحدة مصر والسودان و لعبت دورا كبيرا في تقوية الاتجاه الاستقلالي الذى كانت له اصوات داخل السودان هذه الاتفاقية كانت التمهيد الطبيعى لانفصال السودان عن مصر..من هذا اليوم يا اخوتى سيبدأ العد التنازلى والتمهيد المديد لفصل جنوب السودان عن شماله واتفاقية نيفاشا الشهيرة (يناير 2011)..هكذا تقول الاستراتيجيا بعيدة المدى يا إخوتى..لكن البكباشى لم يكن يوما  فى كل أيامه الشائهة يتمتع بعقل استراتيجى..وسيظل سؤال إهمال السودان طوال فترة حكمه وحكم من جاء بعده يشير بأصابع اتهام مريبة لتفريطهم فى مسألة من أهم مكونات الأمن القومى المصرى بل والعربى..ذهب البكباشى إلى سوريا يقيم معها وحدة وترك الامتداد الطبيعى.. الجغرافى والتاريخى والاستراتيجى مهملا بريبة مليئة بشتى الاتهامات ولم يجر ولو محاولة واحدة لتحقيق تلك الوحدة..وما سد النهضة وخطورته القصوى على الأمن المائى لمصر إلا من جراء هذا الفعل الشنيع .  
لكم أن تتخيلوا اقتصاد مصر والسودان معا لو كان الأمرمن الخمسينيات قد أخذ اهتمامه الطبيعى فى أولويات الحكم وقتها.. يقولون أن السودان قارة تسكن دولة فهى مليئة بالثروات المتنوعة:الماء(أمطار ونيل ومياه جوفية) والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والبترول واليورانيوم.. 200 مليون فدان صالحة للزراعة يعنى تقريبا نصف الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي كله وهى من أغني الدول العربية والأفريقية بالثروة الحيوانية والسمكية الهائلة.. إقليم دارفور يطفو على بحيرة من البترول وبها اكبر مخزون من اليورانيوم النقى فى العالم كله.. للسودان حدود مع تسع دول أفريقية..وتطل على البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله حوالي 720 كيلو متر..هكذا بلد يقع منا جغرافيا و تاريخيا هذا الموقع هل يجوز الخلاف معه على مدينة او مدينتين ..وهل تلام الدول الأخرى أن سعت لتملأ فراغا استراتيجيا أعطيناه ظهورنا..كل ذلك يا إخوتى كان طبيعيا أن يكون ضمن دولاب الاقتصاد المصرى لو كان البكباشى تخلى عن عنترياته السخيفة فى حقبة من أن أهم سنوات القرن العشرين(الخمسينيات والستينيات).
تقول الدراسات أن مخطط انفصال جنوب السودان كان مخططا قديما ويعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني وتم دعمه بقوة بعد إنشاء إسرائيل..الدارسون لتاريخ الدولة العبرية يذكرون مقولة بن جوروين الشهيرة عند تأسيس دولة إسرائيل أن (وجود دول عملاقة مثل السودان ومصر والعراق خطرا على أمن إسرائيل)..يتحدثون عن مزيد من التمزيق للسودان..والعراق يا إخوتى تمر بمزالق عسيرة للحفاظ على وحدتها .
واليوم تمر العلاقات المصرية السودانية بتوتر وتصعيد مرشح للمزيد من التصاعد..الإعلاميون يمارسون سفاهاتهم المعتادة ..الدبلوماسية المصرية التى تشهد أدنى مستويات تعاطيها مع كل الملفات الخارجية تقريبا وتتصرف بنزق وانفعال فى الملف السودانى..التفاعل الاقليمى يفور ويمور حولنا بالجديد كل يوم .
لكن الأمر الأن يحتاج الى ما يزيد عن السياسة ويتجاوز الديبلوماسية..انه العمق العميق لأمننا كله .                  


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • ظهر

    12:06 م
  • فجر

    03:32

  • شروق

    05:10

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:03

  • عشاء

    20:33

من الى