• الأحد 21 يناير 2018
  • بتوقيت مصر04:40 م
بحث متقدم

السياسة مشاركة

وجهة نظر

د. عمرو عبد الكريم سعداوي
د. عمرو عبد الكريم سعداوي

د. عمرو عبد الكريم سعداوي

أخبار متعلقة

أؤكد كثيرا في ما أكتبه من مقالات على جملة معاني من أهمها:
إن السياسة هي فن وعلم الممكن والتحرك عليه، وليس طلب المستحيل أو استهدافه، السياسة هي محاولة للتحرك في المساحات المتاحة وبالإمكانيات المتوافرة، وليس المزاحمة في مواقع الصدام والاصطدام.
السياسة هي فن وعلم شغل الفراغات وملء المساحات الشاغرة وتشكيلها بما يسهم في عملية الإصلاح الشامل ولو كانت مرحلية وعلى مساحة زمنية طويلة أو بطيئة لكنها متدرجة وتتحرك نحو الهدف المطلوب إنجازه.
السياسة هي فن وعلم وضع أهداف صغيرة يمكن تحقيقها والبناء عليها، واستمرار عملية المراكمة على تلك الانجازات الصغيرة حتى يمكن الوصول للهدف الكبير، وهو الإصلاح الشامل أو حتى التغيير الشامل ضمن قوانين ونواميس التغيير.
عندما أسست حركة كفاية في يوليو 2004 كان البعض يرى أهدافها أو مطالبها ضربا من ضروب المستحيل، وأنه لا فائدة من العمل ضمن نظام استبدادي لا يدع فرصة للاختلاف معه (وربما كان استبداد نظام مبارك عدالة مطلقة قياسا بما تم تكريسه من استبداد فاجر لنظام 3 يوليو 2013) إنما تحركت قوى المعارضة ورفعوا اللاءات: لا للتمديد ولا للتوريث وكانت –وقتها- ضربا من ضروب الخيال، وتوحدت مختلف القوى السياسية على ما يسمى سياسات الحد الأدنى والعمل في المتفق عليه، وتنحية الاعتبارات الأيديولوجية جانبا. 
وعلى مدار سنوات قليلة تراكمت الأهداف الصغيرة من مجرد الوقوف على سلالم نقابة الصحفيين إلى الشوارع المحيطة بها، وتوسعت حركة الاحتجاج حنى شملت مصر كلها، وامتلأت الميادين بالناس، وأصبحت كل ميادين مصر هي سلالم نقابة الصحفيين.
صحيح أن المرحلة الحالية تتسم بأن الواقع مُحبِط، والقبضة الأمنية شديدة، وغير مسموح بغير الطبلة والمزمار، وأن دخول الساحة الإعلامية السياسية مقصور على حملة المباخر بين يدي المستبد الغشوم، وأن الحكم بالحديد والنار في أشد مراحله شراسة لكن كما تعلمنا تجارب الشعوب في صراعها مع الحكام المستبدين أن اشتداد القبضة الأمنية علامة ضعف وليست علامة قوة، وأن أشد ساعات الليل سوادا هي الساعات التي تسبق بزوغ الفجر.
السياسة هي علم توسيع المتاح، وهي فن اللعب والمناورة في المساحات البينية، جوهر العمل السياسي هو حلحلة المواقف المستحكمة وخلخلة الأبواب المغلقة، وليس شرطا أن تنجح المحاولة بفتح تلك الأبواب لكن يكفي السياسة فخرا شرف محاولة فتح الباب المغلق دون كسره ودون هدم الجدار.
جوهر العمل السياسي هو كيف تواجه نظاما قمعيا دون الوقوع في فخاخ هدم جدار الأوطان، ودون الوقوع في براثن الحروب الأهلية التي تهلك مقدرات الوطن، والأوطان ليس ملكا للحكام، وإن اغتصبوا سلطة حكمها فترة من الزمن.
السياسة في جوهرها مشاركة وإن تضاءلت نسب التغيير عبرها، لأن الانسحاب من المجال العام لا يحل المشكلة بل يترك الاستبداد يتحرك في المساحات كلها، والاستبداد رغم بطشه وظاهر جبروته يخاف المشاركة حتى لو استجمع كل محاور العملية السياسية بين يديه، فالنظام الاستبدادي يخاف المفاجآت، ويخاف نزول الناس، ويخاف إحياء أمل التغيير والإصلاح في نفوسهم بالأساليب السياسية السلمية.
اليأس والإحباط هو البيئة النموذجية للاستبداد، صحيح أنه يحتاج لقدر من المشاركة حتى يضفي على استبداده نوعا من الجدية لكنه في الحقيقة يخاف أن ينقلب السحر على الساحر، أو ينزل الناس وتتحول اللعبة إلى جد بدلا من الهزل الذي يريد هندسته على عينه.
صحيح أن المشاركة في لعبة هزلية أو يراد لها أن تكون هكذا تضفي نوعا من الشرعية على استبداده لكن فوائد المشاركة –في حدود المساحة المتاحة للرأي والتحليل- تغلب سلبياتها، ويظل المجتمع هو ساحة التغيير ووسيلتها وهدفها.
والأمر من حيث المشاركة في العملية السياسية أو الانسحاب منها هو في جملته أمر اجتهادي يخضع لوجهات النظر ولا مكان فيه للتخوين ولا للتجهيل، وكل من الاختيارين له وجهته المقدرة من الناحية العلمية والعملية إنما هذا الاختيار الجزئي –أيا كان- يجب أن يكون جزءا من استراتيجية كبرى أو خطة شاملة للإصلاح أو التغيير، ومن ثم فليس العبرة بالمشاركة أو المقاطعة إنما العبرة بالأهداف الكلية والتوجه العام ثم اختيار من وسائل العمل السياسي ما يناسب هذه الاستراتيجية الإصلاحية الكبرى، وهو أمر ربما احتاج توضيحه مقالا أو مقالات أخر. 




تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من تؤيد في انتخابات الرئاسة؟

  • مغرب

    05:25 م
  • فجر

    05:31

  • شروق

    06:58

  • ظهر

    12:11

  • عصر

    15:05

  • مغرب

    17:25

  • عشاء

    18:55

من الى