• الثلاثاء 20 فبراير 2018
  • بتوقيت مصر12:03 ص
بحث متقدم

جمال حمدان فى ذكراه.. لن تجد نظرتى هناك

مقالات

أخبار متعلقة

اليوم تمر تسعون عاما على ذكرى ميلاد العلامة جمال حمدان (4/2/1928)..ولن نندهش كثيرا إذا علمنا أن كثير من شباب مصر الآن لا يعرفون من هو جمال حمدان(نسبة الشباب فى مصر فى أخر إحصاء 8/2017 هو 22 مليون شاب فى الفترة العمرية من 18-29)هناك بالتأكيد حالة إغفال وتناسى واضحة لمفكري مصر الكبار خاصة أصحاب المواقف المشهودة وعلى الجانب الأخر ستجد نصيب كبير للمطربين والممثلين فى الاحتفاء بذكراهم ميلادا ومماتا..قد يجد الناس متعة أكثر فى سماع ما يذكره بمطرب أو ممثل..ومن الخطأ أن نأخذ الناس فى طريق التسلية والمتعة فقط..الدولة وأجهزتها الثقافية والإعلامية والتربوية يجب أن تكون على إدراك أكثر بما يرفع وعى الناس ويأخذهم إلى هناك ..حيث الوعى والقيمة والمعنى..جمال حمدان على رأس مفكرينا الكبار أصحاب المواقف المشهودة ..فهو أستاذ الجامعة المستقيل عام 1963 بعد أن أدرك أن شرط النجاح في مصر(أن تكون إتباعيا لا إبتداعيا) وبعد أن دخل البكباشى ورجاله للجامعة بتنظيماتهم السرية..وهو العالم الكبير(29 كتاباً و79 بحثا ومقالة) الذى هجر الدنيا وما فيها رافضا اشد إغراءاتها وهجا..بعد أن نظر إلى الجميع بترفع الإنسان العالم حين يبصر ويعلم قائلا(ما أنا منكم بالعيش فيكم سنذكر حول ذلك جملته المرعبة(مصرالطبيعية حديقة لا غابة ومصر البشرية غابة لا حديقة)وأخيرا هو الشهيد الذى قتل غدرا وغيلة فى ظروف بالغة الريبة فقد توفي إثر حريق نتج عن انفجار أنبوب البوتاجاز.!! حدث هذا في شقة شديدة البساطة والمفروشات وبها عدد من المخارج..والنار حتي تشتعل تأخذ وقتاً يسمح بفتح باب في أقل تقدير..لكن المسألة كلها انتهت ولم يبحث أحد في تفاصيلها..أمين هويدى رحمه الله  الرئيس الأسبق للمخابرات العامة قال وقتها أن وفاة جمال حمدان ليست طبيعية واتهم جهاز المخابرات الإسرائيلي بقتله..أمين هويدى حين يتحدث لا يلقى أقوالاً مرسله..تفاصيل كثيرة تشير إلى أن وفاته كانت عملية مخابراتية ذلك أن حالة انحلال المعايير كانت قد توسعت في طول وعرض وعموم مصر علي حد وصفه. النيابة رفضت التحقيق فى الحادث لعدم وجود أدلة مادية !!هكذا قالوا لإخوته وأغلق الموضوع تمامًا..كان هذا عام 1993 فى عز قوة الأجهزة الأمنية وأجهزة التحقيق أيام حسنى مبارك..ويكون قد قال لنا قبل رحيله أن(مصر في النهاية ليست شعباً له حكومة بقدرما هي حكومة لها شعب)...
لامس جمال حمدان علي المستوي الشخصي البدايات الأولي لانحلال المعايير ذلك أنه كان قد لمع وتلألأ بعد ثلاثة كتب (جغرافيا المدن) و(المظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم) (المدينة المثلثة) ونال جائزة الدولة التشجيعية 1959م ..كانت الجامعة في ذلك الوقت قد تغلغل فيها الأمنى والسياسى والتنظيمات السرية(علي حد وصف الراحل عبد العظيم أنيس)..بعد أن اشتهر ولمع اسمه ثم تخطيه في الترقية لوظيفة أستاذ ؟! فقرر الاستقالة..والاستقالة لم تكن - في رأيي -لهذا الموقف بل كانت ليقينه أن هذه الأيام ليست أيامه وما أصعب وأقسي أن تعيش وجها لوجه مع من تكره..وما كان لمثله أن يكون أستاذاً جامعياً يقف أمام طلابه وهو يري مصر تتجه بخطي متسارعة نحو(الانحلال الأسود)فآثر الاستقالة من الحياة التقليدية بأسرها وإلا ما عاش هذه المعيشة..ولا سكن هذا المسكن..لم يصدق الصحفى الكبيرالراحل أ/هيكل أن هناك بشرا ممكن أن يسكن في مكان هكذا..ذلك أنه قد زاره هو وأ/مصطفي نبيل - رئيس تحرير الهلال الأسبق – كما حكى ا/مصطفى فى كتابة(خفايا وملامح شخصية)وبعد إلحاح من ا/هيكل على ا/ مصطفى نبيل..لا كما حكى ا/عبد الله السناوى فى كتابه(أحاديث برقاش –هيكل بلا حواجز)من أن ا/ مصطفى نبيل قال لهيكل جمال يريد أن يراك..؟؟!! المهم أنه وبعد محاولات مضنية من الطرق علي الباب وعلي شبابيك المنور فتح لهما فهو لم يعتد استقبال زيارات مفاجئة..وكانت صدمة ا/هيكل كبيرة فى مسكن عالمنا الكبير وأراد أن يأخذه للخروج وأعتذر حمدان بالطبع ودار بينهما فى هذا المسكن حوارهام كما ذكر أ/مصطفى رحمه الله.
كان أمام الرجل العديد من الفرص العظيمة للعمل المعزز المكرم في الجامعات العربية وكان زملاؤه وتلاميذه الذين يعرفون قدره قد وطدوا لأنفسهم أماكن وطيدة..لكنه بالفعل كان قد قرر الاستقالة من الحياة التقليدية ففضل رغام الحياة علي العيش الكذوب فما مثل جمال حمدان يستطيع إغماض عينيه عن الحقيقة.
كان يعتبر أن الصهيونية والتمزق العربي وضعف العالم الإسلامي وفقدان العدل الاجتماعي والطغيان السياسي ذلك كله ألد أعداء مصر وكانت قضية فلسطين هي قضيته الأولي وشغله الشاغل..اسمع لقوله(كارثة فلسطين/ إسرائيل هي ببساطة كالآتي:طلبت الصهيونية العالمية دولة لليهود في فلسطين فأسسها لهم العرب..المعني:قيام إسرائيل وضياع فلسطين هو مسئولية العرب والعجز العربي والجبن والتفرق العربي..والذي حدد نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي هو الصراع العربي – العربي..الفلسطينيون لم يبيعوا فلسطين لليهود ولكن العرب هم الذين باعوا فلسطين والفلسطينيين لإسرائيل)..وصرح بأن الكارثة التي تعرضت لها فلسطين علي يد الصهيونية هي سابقة ليس لها مثيل قط في تاريخ العالم الحديث ولا العالم الإسلامي ولا العالم الثالث وكان يري أن الخطر لا يستهدف الأرض المقدسة في فلسطين فقط وأن التهديد لا يقتصر علي العالم العربي وحده وإنما يمتد إلي العالم الإسلامي كله وكان دائم التذكير بأن الصهيونية اليوم هي أكبرخطر يواجه العالم العربي وأن تحرير فلسطين هو وحدة العالم الإسلامي السياسية وأن وحدة العالم الإسلامي إنما هي فلسطين..قبل أن يعلن ترامب أخيب إعلاناته عن القدس قال جمال حمدان أعظم مقولاته عن فلسطين(إذا كان اليهود يقولون:لامعني لإسرائيل بدون القدس فنحن نقول لهم:لامعني للعرب بدون فلسطين). 
في كتابه(انثربولوجيا اليهود)أثبت أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلي فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين وإنما ينتمون إلي إحدي القبائل التتارية التي عاشت بين بحر قزوين والبحر الأسود واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي..وهو ما أكده أيضا العلامة د/عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة(اليهود-اليهودية- الصهيونية).
في كتابه(إستراتيجية الاستعمار والتحرير)سنة 1968م تنبأ بانهيار الشيوعية والمعسكر الشرقي وهو ما حدث بالفعل بعد 21 سنة..من عام 1975 -1984 تفرغ تماما لعمله العظيم(شخصية مصر..دراسة في عبقرية المكان)وتناول فيه خصائص الشخصية المصرية وعلاقة تلك الخصائص بجغرافية مصر ونيلها العظيم!؟
لم يسعد كثيرا بظاهرة التدين الشكلي التي سادت البلاد في السبعينيات على الرغم من تدينه العميق والذى تبدى فى مقولته العظيمة(لقد خرج العرب من الصحراء ودخلوا التاريخ بفضل الإسلام وما كان لهم هذا ولا ذاك بدون الإسلام  لم يكن الإسلام بالنسبة للعرب مجرد رسالة من السماء فقط ولكن أيضا نجدة من السماء.)ووصف التطرف بأنه وباء يصيب العالم الإسلامي في فترات الضعف السياسي أمام العدو الخارجي وهو نوع من التشنج بسبب العجز عن المقاومة ويتهم الغرب الاستعماري بأنه (أكثر من أراد توظيف التطرف سياسيا بهدف الهيمنة علي العالم الإسلامي واستغلاله وتسخيره لأغراضه الإمبريالية العليا واستراتيجيته الكوكبية العدوانية)وهوما حدث بالفعل نصا وفصا. لكنه له مقوله هامة عن التيار السياسى الاسلامى ينبغى الوقوف عندها كثيرا على ضوء ما حدث ويحدث (لو كان لدى التيار السياسي الاسلامى ذرة إحساس بالواقع المتدني المتحجر لانتحر)غياب الإحساس بالواقع عند التيار السياسى الاسلامى ظهر بوضوح خلال العقود الأربعة الأخيرة..ذلك أن معظم قيادات هذا التيار للأسف الشديد غاب عنهم الفكر والمعرفة فكان طبيعيا أن يغيب عنهم الإحساس بالواقع الاجتماعي والسياسي فالفكر والمعرفة هما ما يمنحا الإحساس الدقيق والتبصرالصحيح بالواقع..عبد الحميد صالح حمدان شقيق الراحل الكبير نشر عام 2010 كتاب بعنوان(العلامة الدكتور جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة)بدا فيه عالمنا الكبير متشائما حتى سجل أن(مستقبل مصر أسود وأن الخيار أمام البلاد لم يعد بين السيئ والأسوأ بل بين الأسوأ والأكثر سوءا).
رحم الله جمال حمدان وجعل علمه امتدادا صادقا لحياة ملأها صدقا ومعرفة وزهدا..ولعل هذه الأيام هى أكثر الأيام ضرورة للرجوع إلى موسوعته(شخصية مصر)التى قال فيها عن الإنسان المصرى(لقد تحرر الإنسان المصري من التخلف ولكنه لم يتحرر قط أو بعد من الأسر..لقد ظفربالتنمية نسبيا لكنه لم يظفر بالحرية إطلاقا..أصبح إنسانا متقدماً نوعاً..لكنه ليس إنساناً حرا حقا.) هكذا يجب أن تحيا مصر ..الإنسان يا إخوتى.
 دعونا نستعير مقولة الراحل محمود درويش(مهما نظرت فى عينى..لن تجد نظرتى هناك..).


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تنجح الحملة «سيناء 2018» فى القضاء على الإرهاب؟

  • فجر

    05:13 ص
  • فجر

    05:13

  • شروق

    06:37

  • ظهر

    12:14

  • عصر

    15:25

  • مغرب

    17:51

  • عشاء

    19:21

من الى