• الخميس 19 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر01:32 م
بحث متقدم

العدوي في قفص الاتهام؟

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم ابراهيم سلامة

لا تستطيع أمام ما تقرأه من سيرة هذا العالم إلا أن تتعجب وتندهش وتتساءل: أين ولت هذه البطولة وهذه القوة وهذه الصلابة وهذا التحدي في وجه الباطل الذي اتسم به علماء الأزهر قديمًا؟! 
كيف تم السيطرة عليهم وإخماد حماسهم؟! كيف نجح المتربصون بهذا الحصن العظيم أن يدجنوا علماءه ويُخرجوا من صحنه الشريف الذي كان عرينا للأسود الضواري.. نفوسًا جبانة ضعيفة مستكينة مخذولة مهزومة منبطحة أمام صوت الباطل وسطوته وجلده؟! 
ولعل الشيخ (العدوي) الذي نصحب سيرته الآن، واحد من هؤلاء الأشاوس الذين يثيرون في عقولنا مثل هذه الدهشة التي نتحدث عنها، حينما نرى هذا البون الشاسع بينه وبين من نرى من الأزهريين المخنثين المائعين أمام الطغاة.!
يُطل علينا الزعيم (عرابي) في مذكراته السياسية حينما تحدث عن المؤتمر الوطني الذي مثله مع زملائه الأزهريين، وخرجوا فيه بهذا القرار التاريخي الشجاع، والذي يقضي بعزل الخديوي توفيق وتكليف عرابي بالدفاع عن الوطن.. بعد أن قُرئت على المجتمعين فتوى أزهرية ثورية تقضي بمروقه وخيانته مما كان لها أكبر الأثر في ثورة الشارع المصري وسخطه على الخديوي الخائن.!
ويشاء الله تعالى أن تُهزم الثورة العرابية، وينتصر عليها الخائن توفيق بمعاونة الإنجليز، وتأتي ساعة الانتقام والتشفي من كل من ساند هذه الثورة، وساعدها من الضباط والعلماء والشيوخ والمناضلين المصريين.. وكان منهم الشيخ العدوي الذي قُدم إلى المحاكمة فلم يجزع أو يجبن وكان راسخًا رسوخ الجبال الشم العوالي، وسأله رئيس المحكمة: هل أفتيت بعزل الجناب الخديوي؟ فأجابه بقوله: لم أصدر هذه الفتوى، ولكنكم لو تقدمتم إليّ بعريضة تتضمن هذه الفتوى وأردتم مني توقيعها لكم، فلن أتردد في ذلك.. وما في وسعكم وأنتم مسلمون أن تُنكروا أن الخديوي يستحق العزل لمروقه عن الوطن والدين؟!
وهنا يقف المرء حائرًا أمام هذا الكلام الجريء الشجاع أمام محكمة ظالمة، وحاكم يريد أن يبطش به، ويتحين كل فرصة حتى يعاقبه أشد العقاب.. ويخلد في خياله أن هذا المتهم لو قبّل القدم وأبدى الندم، فإنه لن يغفر له أو يسامحه.. لكنه لم يكن يتوقع أبدًا مثل هذه الجرأة وهذه الشجاعة في الانتصار للحق.. ولكن هذا الشموخ الذي واجه به العدويّ محكمة الخديوي، كان مفخرة للأزهر والأزهريين.. وصورة رائعة لائقة بعلماء الدين الأحرار البواسل.! الذين تيتم منهم زماننا، وحرمنا من زئيرهم المزلزل لدنيا الطغيان.!
ومثل هذا الرجل.. لابد أن يكون شامخًا، ولا يليق به إلا أن يكون كذلك.. فحينما تقرأ تاريخه ومواقفه، تحكم بذلك، وتدرك أن هذا الرجل يؤمن إيمانُا قويًا أن العزة والإباء، سمات لازمة لا تنفك عن عالم الدين، الذي يُمثل الإسلام ويرمز لرفعته.
تأمل هذا العالم الجسور الذي ثار على الحاكم الخائن، وشارك الثورة العرابية ضد المارق توفيق.. انظر إليه حينما قدم السلطان العثماني (عبد العزيز) لزيارة مصر في عهد اسماعيل، حيث طُلب منه لكونه من شيوخ الأزهر الكبار.. أن يلتزم بتقليد رسمي لحظة السلام على السلطان، والتي تقضي أن ينحني على الأرض ثلاث مرات، يأخذ فيها السلام إلى رأسه ثم إلى فمه ثم إلى صدره، ويخرج موجهًا صدره إلى الخليفة وظهره إلى الباب.
وحينما أُمليت عليه هذه الصورة المهينة في تحية السلطان، والتي لا تليق بحملة العلم والشريعة رماها من فكره، وتصورها تقاليد سفيهة بالية، لا تمت لروح الإسلام، التي توحي بالأخوة والحرية والمساوة، بل تصورها من وحي الوثنية التي طمس الإسلام كل مظاهرها وجعل العبودية لله وحده.. رمى كل هذا وراء ظهره ودخل على السلطان شامخًا مرفوع الرأس وهو يقول له: السلام عليك يا أمير المؤمنين ثم قدم إليه نصيحة ودعا له بتقوى الله وخوَّفه من عذابه.. وهنا وأمام هذه الجرأة العظيمة ثارت ثائرة الخديوي إسماعيل الذي شهد هذا المشهد وهو يتفجر غيظًا، لأن هذا العالم الجريء لم يلتزم بتحية السلطان المقررة، ولم يقم بما فيها من تعظيم وانحناء وتبجيل، ولكن غضبه لم يجد سبيله لينفس عن سُعارِه حينما أبدى السلطان إعجابه بتحية العدوي، حيث خلع عليه حُلة ثمينة وقال لمن حوله: ليس لديكم عالم سواه!  
ويبدو أن هذه الروح الثائرة التي تفوح بالعزة والشجاعة والكبرياء، كانت هي نمط التربية السائد لدى الأزهر وعلماءه في تلك الحقبة.. هذه الروح التي كانت تضع الحكام في مواقف حرجة وتلزمهم الحجة أمام الله وأمام الأمة.. فقد وقف الخديوي إسماعيل يومًا وقد أمر علماء الأزهر أن يقرؤوا البخاري حتى يكون بركة تجلب النصر في حربه في الحبشة.. ولكن الأنباء توالت بهزائمه المتتابعة، فصاح في العلماء قائلاً: إما أنكم لستم بعلماء، أو أنكم لم تقرؤوا البخاري.؟! وهنا وفي هذا الجو الملبد بالغيوم، وأمام غضب الخديوي المتصاعد، يخرج عالم من بين الصفوف فيوجه إليه كلمات كالرصاص ويقول: ليس الأمر هذا ولا ذاك، ولكنه على ما رواه البخاري من حديث المعصوم r: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر،  أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لكم) وهنا تتكسر حدة الخديوي أما هذه الكلمات الحرة الجريئة، فيلتفت إلى هذا العالم ويقول له : وماذا فعلنا حتى ينزل بنا البلاء؟ فقال له: أليست المحاكم المختلطة قد أحلت قانونًا يبيح الربا؟ أليس شرب الخمر مباحا؟ أليس الزنا برخصة؟ ويصمت الخديوي أمام هذا الصوت المدوي الذي كشف له عوار تقصيره وفساده، وغفلته عن تنفيذ حكم الله وتطبيق شرعه، يصمت أمام هذا الرعد الذي كشف له مواطن الداء التي نزل بسببها البلاء، وحجب النصر على الأعداء.! 
وكذلك كان العالم الحر الجسور (حسن الطوييل) الذي كان لديه قسط وافر من الاعتزاز بالنفيس والكرامة الذاتية، فحين دخل عليه (رياض باشا) وهو يدرس لطلابه بدار العلوم، لم يغير من جلسته أو ينخلع وقاره لهيبته.. ولما هم الزائر بالانصراف، قال له الشيخ الطويل: يا باشا لماذا لا أكون وزيرًا معكم؟ فدهش الزائر وقال له: أي وزارة تُريد، فقال له: وزارة المالية، لأستبيح من أموالها ما تستبيحوهن.. وكانت كلمات مستفزة أشعلت نفس رياض باشا غضبًا كبيرًا، لكن لم يستطع فعل أي شيء له.. ولم يقدر على عقابه للمنعة التي كان فيها علماء ذلك الزمان.!
وحين دخل اللورد كرومر على شيخ الأزهر الأنباني لم يقم له، وسلم عليه وهو جالس، فقال له كرومر: أتفعل هذا مع الخديوي؟ فقال له الأنباني: الخديوي ولي الأمر وهو منا.. ولست مثله لدينا في شيء.. وكان موقفًا أوجع كرومر، ولم يقصد به الأنباني أن يتزلف للخديوي، وكيف يتزلفه وهو الذي قد وقف من قبل موقفا مشهودا لا ينساه التاريخ وأفتى بعزله، وحكم عليه بالمروق من الدين، تمامًا كما فعل الشيخ العدوي.!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • عصر

    03:45 م
  • فجر

    03:30

  • شروق

    05:08

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:04

  • عشاء

    20:34

من الى