• السبت 18 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر02:21 م
بحث متقدم

إصلاح التعليم في مصر- من النظرية للتطبيق

وجهة نظر

سامي هنداوي
سامي هنداوي

سامي هنداوي

1ـ الأجهزة و البرامج

لن أسهب كثيرا في انتقاد نظامنا التعليمي و لن أحبطك عزيزي القارئ بتكرار المساوئ و السلبيات التي يرددها المصريون ليل نهار اما في البرامج المرئية و المسموعة أو على صفحات الصحف المقروءة أو حتى من خلال الحوارات اليومية بين المعلمين في المدارس،و المسافرين في وسائل المواصلات، و رواد المقاهي و الأندية...الخ. فأينما ذهبت تسمع نفرا من الناس يتباكون على ما وصل إليه حال التعليم في مدارسنا و جامعاتنا، و ما ان تسترق السمع لهم كي ترى ما لديهم من حلول و علاج فلا تسمع منهم إلا عبارات عامة و جملا محفوظة لا تسمن و لا تغني من جوع كأن يقول أحدهم: الدروس الخصوصية هي السبب، و يقول آخر: الحل في الغاء مجانية التعليم، و يذكر آخرون أسبابا أخرى كالغاء العقاب البدني و ضغف المعلمين و حشو الكتاب المدرسي...الخ.


  عشرات البرامج التلفزيونية و مئات المقالات في الصحف تناولت مشكلة تخلف التعليم في مصر عن الركب العالمي ،لكن لا يخرج المشاهد أو القارئ ببرامج اصلاح محددة أو أفكار عملية تنير طريق الاصلاح؛ ذلك لأن كثير من المنظرين من ضيوف البرامج و كتاب المقالات تجمعهم صفة واحدة ألا و هي أنهم ليسوا تعليمين محترفين، فذلك الضيف رجل قانون، و ذاك اعلامي، و ثالث رياضي، وهذه فنانة أو رئيسة جمعية نسائية، و أخرى طبيبة أو عضو جمعية رفق بالحيوان, و بعضهم كل مؤهلاتهم أنهم أصدقاء أو صديقات لمقدمي البرامج، يرددون جميعا أكلاشيهات متشابهة و كلمات فضفاضة قد يعجب ببعضها أولياء الأمور لكنها في الحقيقة تضر بالعملية التعليمية ضررا بالغا فيجد المعلم نفسه أمام من يتحدث عن مشكلات التعليم و التعلم و المتحدث نفسه لا يدري عنها شيئا و لا يفقه من علمها سطرا. ليس من بين الضيوف معلم و لا تربوي على دراية و خبرة بالأسباب الحقيقية لما وصل اليه حال التعليم، و كأن المعلم الذي نأتمنه على أبنائنا ليس بالشرف الكافي لأن يكون ضيفا على برنامج أو كاتبا في صحيفة.


لذا قررت أن أكتب سلسة من المقالات أستجمع فيها علم اكتسبته و خبرات مررت بها من كتب طالعتها و مؤسسات تعليمية كبرى درست و عملت بها في دول عدة. لا تتوقع مني عزيزي القارئ أن أتناول اصلاح التعليم في مصر كما تناوله كثير من المنظرين قبلي من ناحية المبنى و الكتاب و المعلم و الطالب، فهذه جميعا أركان أساسية لابد أن تتوفر بحد أدنى من الجودة حتى يكون هناك ما نستطيع أن نطلق عليه نظام تعليمي، فتوفير المدارس و متطلبلاتها و الاهتمام بالمعلم ماديا و صحيا، و الكتاب شكلا و محتوى...الخ هي ضروريات لعمل أي نظام تعليمي، لكن لا تكفي لانجاحه، فهناك دول غنية عدة تتوفر بها هذه الأركان لكن أنظمتها التعليمية عقيمة و غير ناجحة. فلماذا اذا نجد دولا تقبع في قاع التصنيف العالمي للتعليم رغم توفر الامكانات المادية الهائلة لأنظمتها التعليمية؟ و لماذا وصلت دول أخرى الى قمة هذا التصنيف رغم تشابه الامكانات المادية مع نظيراتها القابعة في القاع؟


إن النظام التعليمي كالحاسوب له مكونان أساسيان: الأجهزة Hardware  و نظام التشغيل و البرامج Software . فالمباني و الكتاب و المعلم و الطالب و كل ماهو محسوس داخل النظام التعليمي هي الأجهزة Hardware  التي بدونها لا يوجد ما تطلق عليه نظاما تعليميا ، و كلما كانت امكانات هذه الأجهزة مرتفعة عظم ذلك من دورها، و لكن لا يمكن أن تؤدي عملا ناجحا وحدها بدون نظام و برامج تشغيل software  حديثة تعمل عليها.


لن أركز كثيرا في بحثي هذا على اصلاح مشكلات أجهزة النظام التعليمي Hardware ، فالحلول ملموسة و مرئية للجميع أسهب الباحثون و المنظرون فيها كثيرا، و إنما سيكون جل تركيزي على أنظمة التشغيل و البرامج Software  داخل نظامنا التعليمي لأنني أرى أن السبب الرئيس في الفروق الهائلة بين أنظمة الدول التعليمية هو أن بعض الدول لديها أنظمة تشغيل متقدمة و تعمل على تحديثها باستمرار بينما دول أخرى مازالت تتبع أنظمة نشغيل قديمة و تقليدية لم يطرأ عليها تحديثات لعقود من الزمن، تماما كالفارق بين شخصين يمتلكين جهازين حاسوب متماثلين،أحدهما يستخدم نظام تشغيل متقدم بينما الآخر يستخدم على جهازه نظام تشغيل بدائي، و طلب منهنا القيام بعمل ما كل على جهازه، فمن تعتقد أن تكون مخرجات عمله أسرع و أفضل؟ و كيف سيكون الحال اذا كان الشخص الثاني جهازه أيضا قديم و ليس نظام تشغيله فقط؟
 *********************************************************
مكونات النظام التعليمي الناجح
في سبتمبر 1989 شكلت مؤسسة دائرة الأعمال المستديرة بنيويورك Business Roundtable, New York فريقا من المعلمين و صانعي السياسات لوضع خطة لإعادة هيكلة التعليم بالولاية. أصدرت اللجنة المشكلة تقريرا عام 1991 تم مراجعته و تحديثه مرارا بعد ذالك على مدار عشر سنوات  ،حدد هذا التقرير تسع مكونات أساسية لأي نظام تعليمي ناجحَ، أعتبر هذا التقرير بمثابة خطة متكاملة و شاملة لإصلاح أنظمة و برامج التشغيل software داخل أي نظام تعليمي، فهذه المكونات التسع تحدد المتغيرات المطلوب احداثها في أي مجتمع تعليمي حتى يتحسن آداء و مخرجات الطلاب و يصبح النظام ناجح و متقدم. سأذكر نبذة مختصرة عن هذه المكونات التسع ثم أتناولها بعد ذلك بمزيد من التفاصيل و الإيضاح مع التطبيق على النظام التعليمي المصري.
1-التنمية المهنية: يصر أي نظام تعليمي ناجح على توظيف المتميزين فقط من الراغبين للإلتحاق بالمهنة و اعدادهم اعدادا جيدا و توفير تعلم مستمرلهم أثناء مزاولتهم المهنة ليكون لذلك إنعكاسات إيجابية على التعليم و التعلم و الإدارة.
2- المعايير: كي ينجح أي نظام تعليمي عليه أن يحدد ما يجب أن يتعلمه الطلاب من معارف، و ما يجب أن يكتسبوا من مهارات حتى يمكنهم النجاح في المدرسة و أماكن العمل و الحياة، و يجب أن تصاغ هذه المعايير بشكل واضح و بألفاظ قابلة للقياس.
3- التقييم: إن النظام التعليمي الناجح يركز على قياس مخرجات أداء ليس فقط الطلاب بل المدارس و النظام ككل حتى يتمكن الطلاب و المعلمون و الأباء من فهم المعلومات في نتائج التقييم و التعامل معها.
4- المسؤلية: يضع النظام التعليمي الناجح قواعد للثواب و العقاب لآداء صانعي السياسات التعليمية و الإداريين و المعلمين و الطلاب، فيكافأ المدارس و الإدارات التي يتحسن آدائها، و يساند تلك التي تواجه صعوبات، و يعاقب تلك التي تصر على الفشل في تحقيق الأهداف المرجوة.
5- الاستقلالية المدرسية: يتيح النظام التعليمي الناجح حرية العمل في إتخاذ القرارات التعليمية و إيجاد الموارد الضرورية من أجل أداء أفضل و مسئولية حقيقية.
6- مشاركة أولياء الأمور: يمكن النظام التعليمي الناجح الأباء و الأمهات من مساندة العملية التعليمية و التأثير في المدارس و تحديد الخيارات الخاصة بتعلم أبنائهم.
7- الاستعدادية للتعلم: تدرك الأنظمة التعليمية الناجحة أهمية سنوات ما قبل المدرسة، فتوفر تعليم عالي الجودة في الحضانات و رياض الأطفال و خاصة في الأماكن المحرومة، و تسعى بمساعدة المؤسسات الخاصة و العامة للتغلب على العوائق و الصعوبات التي يسببها الفقر و الجهل و العنف و المرض لدى الطلاب من كل الأعمار.
8- التقنية: يستخدم النظام التعليمي الناجح تكنولوجيا المعلومات لتسهيل و توسيع طرق النفاذ و الوصول الى المعرفة و لتحسين التعلم و الإنتاجية.
9- السلامة و الإنضباط: يوفر النظام التعليمي الناجح بيئة آمنة و منضبطة راعية لتعلم الطلاب، و تهتم بسلامة الإنسان و أمنه.
انتهى المقال   
في المقالات التالية سأستعرض هذه المكونات التسع لأي نظام تعليمي ناجح في النظام التعليمي المصري لنضع أيدينا على أسباب المرض الحقيقية و من ثم يمكننا وصف العلاجات اللازمة بدلا من إهدار الوقت في محاولات يائسة لمعالجة أعراض فقط، ليتعافى هذا النظام و يعود الى طريق النجاح و المنافسة مرة أخرى إقليميا و عالميا.


* معلم اللغة الانجليزية بمصر و السعودية
وخبير تعليم الثفافات بالمركز الأمريكي للتعليم الدولي بواشنطن و ادارة سان دييجو بكاليفورنيا
دبلومة طرق التدريس من جامعة استراثكلايد_ اسكتلندا
دبلومة متقدمة في تعليم اللغات من جامعة ايتون الأمريكية

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:41 م
  • فجر

    03:58

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:40

  • عشاء

    20:10

من الى