• الإثنين 20 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر02:39 م
بحث متقدم

كيف أضرت الحركات الإسلامية بالدين والسياسة معا (1/2)

مقالات

لا يمكن أن يجادل منصف في أن الشباب الإسلامي الذي انضم لجماعات أو حركات إسلامية كان مدفوعا بنوازع إنسانية بريئة تدفعه للتضحية من أجل ما يراه صلاحا وإصلاحا لواقعه وللناس ، هو يتصور ذلك ، وقد دفع مئات الآلاف من هؤلاء الشباب ضريبة هذه التضحيات ، من أعمارهم أو حرياتهم أو سعادتهم في الحياة ، أجيال عديدة متوالية ، دفعوا أثمانا غالية ، وأغلى مما دفعه أي كيان أو تيار سياسي آخر ، ولكن لأن النوازع الطيبة أو النوايا الطيبة ليست هي التي تصنع الأحداث وتوجه التاريخ ، كما أنها ليست كافية لكي تصنع نتائج سليمة وسديدة ، فقد تسبب الجمود الفكري وغياب الوعي السياسي ، في تحويل طاقات الحركات الإسلامية ، إلى مسارات شديدة السلبية على مجتمعاتها ، وعلى نفسها ، وحتى على الدين الذي قاموا من أجله وضحوا من أجله .
انفصال الحركات الإسلامية عن التيار الوطني العام في بلدانها ، وتقوقعهم على رؤى خاصة بهم وأهداف "تنظيمية" خاصة بهم ومشروعات سياسية خاصة بهم حتى وإن كانوا هم أنفسهم يدركون استحالة تحققها في مائة عام مقبلة ، واستبطان فكرة الجماعة الناجية أو الفرقة الناجية دون غيرها ، صراحة ـ كما وضح علنا في متطرفيهم ـ أو ضمنا كما وضح أيضا في معتدليهم ، مع انطلاقهم من الروح الدينية التي تميز شعوب المنطقة وتتجذر فيها ، جعل تلك الحركات تتحول إلى ما يشبه "الإسفنجة" التي تمتص طاقات الشباب الجديد المهتم بالشأن العام من المجتمع ، وتدمجه في قوالبها ومساراتها الانعزالية ، وهو ما تسبب في جفاف الحركة السياسية المدنية بشكل عام وضعفها وهشاشتها ، وتحولها إلى تيارات نخبوية أشبه بنواد سياسية ، لأن "الإسفنجة" حرمتها من القدرة على جذب التيار الشبابي المتدفق والمفعم بالحيوية والحماسة للعمل العام ، قدمت لهم الحركات الإسلامية "الحلم" والطموح وأنفقت من الرصيد الديني الجذاب والمتغلغل في أحشاء المجتمع بكثافة ، فلم تجد الحركات السياسية الأخرى أي فرصة لتقوية نفسها بمدد شعبي واسع ، بل وصل الأمر إلى أن أي حزب سياسي مدني كان يريد دخول انتخابات عليه أن يبحث عن تحالف مع قوة إسلامية ، وخاصة الإخوان المسلمين ، وظلت هذه المعادلة قائمة طوال نصف القرن الأخير كله تقريبا ، ومنذ فتح السادات المجال أمام تعددية سياسية ضعيفة .
بطبيعة الحال ، لا نخلي مسئولية تلك الأحزاب والقوى السياسية المدنية عما آل إليه أمرها من ضعف وهزال ، لأنهم لم يبذلوا جهدا حقيقيا على المستوى العملي للتضحية أمام النظم المختلفة ، كما لم يملكوا مفاتيح التواصل الروحي مع المجتمع واحترام تراثه وحساسياته الدينية ، كما كان يفعل سعد زغلول والنحاس قديما ، بل اندفع بعضهم إلى تأييد أي شخص يتطاول على ثوابت دينية ، بدون أي إحساس بالمسئولية السياسية ، تعاملوا كما لو كانوا نشطاء وليس رجال سياسة وهو ما كان يعزز من نفرة الشباب المتدين منهم ، ولكن ، الشاهد هنا ، أن هذه "الإسفنجة" التي تمثلت في الحركات الإسلامية جففت الحراك السياسي الحقيقي في المجتمع ، وخففت العبء كثيرا عن النظم السياسية المتوالية ، لأنها لا تتهدد ببدائل سياسية حقيقية ، ولا ينافسها أي قوة سياسية مدنية ذات ثقل شعبي ، كما سهل على النظم الحاكمة التعامل مع "الجسم الكبير" في الشارع المتمثل في الحركات الإسلامية كملف أمني يوكل إلى الأجهزة المعنية ، توسع وتضيق وتحنو وتسحق حسب الاحتياج والظروف .

twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:41 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى