• الأحد 19 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر01:14 م
بحث متقدم

العطار مبروك

مقالات

قليلون يتذكرون هذه الشخصية التي أداها بكفاءة الممثل حسن البارودي في فيلم "الزوجة الثانية". كان منافقا للعمدة عتمان يرسم له طريق الشر بنصائحه الكاذبة، ويدعي أن عنده ما هو أكثر تقدما من الطب لانجاب ولي العهد، ولما فشلت علاجاته نصحه بالزواج من ثانية على أن يطلقها بعد الحمل والولادة.
الفيلم معروف وله دلالته السياسية البالغة في عصره. لكن العطار مبروك على روعة أدائه يختفي من الذاكرة سريعا. لم يعلم في المشاهدين منذ انتاج الفيلم عام 1967 حتى الآن رغم تتابع الأجيال عليه. 
بقي في الذاكرة أبو العلا (شكري سرحان) الذي تعرض لاستبداد عتمان وخطف منه زوجته فاطمة (سعاد حسني) وبقيت حفيظة "سناء جميل" بجملتها الخالدة "الليلة يا عمدة"!
في النظم الديكتاتورية تترعرع شخصية "العطار مبروك" وتستنسخ  في إعلاميين وكتبة يتقدمون المشهد ويرسمون صورة خيالية للسلطة إلى حد التقديس. يقدمون نصائح قاتلة لها في الواقع. يعملون بكل أدواتهم لإثبات أن النقد خيانة والمعارضة السياسية جريمة والرأي الآخر تدمير للبلد.
تماما مثل العطار مبروك الذي أوحى للعمدة عتمان بأنه حصان جامح لكنه يحتاج إلى فرسة شديدة. وعندما يخر مريضا بتأثير أعشابه.. ويتوقع موته، يذهب إلى "علوان" شقيق العمدة الذي قد يرثه في العمودية ليقدم له فروض الطاعة والولاء ووجبات النفاق. عطار لكل العصور!
ابتليت مجتمعات العالم الثالث بتلك النوعية من البشر التي تظن أن الولاء للوطن يقتصر عليها، وأن التطبيل هو طريق الاستقرار والنجاح والنفوذ. 
في مجتمعات "مات الملك عاش الملك" يذهب كل ذلك الولاء الظاهري بمجرد انتهاء السلطة وتولي أخرى. نجد "العطار مبروك" يتحدث عن عودة الوعي والحريات. يركب الموجة كما ركبها في عهد السلطة السابقة. إنه رجل كل العصور.
في المجتمعات المتقدمة لا عطار ولا مبروك. صنعوا حداثتهم ورفاهيتهم ونجاحاتهم وثورتهم الصناعية الهائلة بالحريات وحقوق الإنسان وحيوية الممارسة السياسية ومناقشة السلطة والاعتراض عليها وتصويبها إذا أخطأت. لا توجد سلطة مقدسة. 
ضجت السوشيال ميديا العربية طوال اليومين الماضيين بمشهد الرئيس الفرنسي ماكرون وهو يتلقى تقريعا حادا من فلاح بسيط لأنه رفع صوته. نماذج لا يمكن أن تراها في العالم العربي أو الثالث وإلا ما استمر ثالثا!
سنظل نندهش ونعجب بغيرنا ما دمنا نعيش ابتلاء العطار مبروك، وما دام يعيش فينا عقودا وعقودا دون ملل أو كلل فقد ألفناه وتعودنا عليه. 
صحيح أنه ينمحي من ذاكرتنا بانقضاء زمنه ويذهب إلى عالم النسيان دون أن يترك علامة، لكنه كائن غريب يتوالد من جديد بنفس النكهة والروح والأسلوب كأنه رضع مع أشباهه الذين سبقوه من ثدي واحد.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:41 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:39

  • عشاء

    20:09

من الى