• الأحد 23 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:17 ص
بحث متقدم

المعاناة مع المصالح الحكومية

مقالات

حتى فترة التسعينيات كان هناك برنامج صباحي في إذاعة القاهرة اسمه "همسة عتاب" يتناول معاناة يومية واقعية مع بيروقراطية الموظف الحكومي.
اشتهر البرنامج بعبارة "فوت علينا بكرة يا سيد" يقولها الموظف للمترددين عليه. دخل الكمبيوتر والحكومات الالكترونية زمننا هذا، ولا تزال عقلية هذا الموظف كما هي لم تتغير بل ازدادت سوءا. فوت علينا بكرة يا سيد تحولت إلى فوت علينا بعد أسبوعين أو ثلاثة! 
مخاطبة المواطن بـ"يا سيد" لم يعد لها مكان في التعامل، فقد حل محلها الزجر والضجر والإهانة والبيروقراطية الكسولة، خصوصا إذا كان الموظف "سيدة" فهي لا تريد أن تعمل ولا تقوم من مكانها وربما تحضر معها رضيعها ليشغلها عن الجميع ببكائه وحاجته إلى الرضاعة وما شابه من احتياجاته التي لا ينبغي قضاءها في محيط العمل. والله رأيت هذا النموذج في واحد من أكبر سجلات مدني العاصمة!
اذهب إلى أي مصلحة حكومية كالسجل المدني مثلا أو المرور وهما تابعتان لوزارة الداخلية لتستخرج بطاقة رقم قومي أو شهادة وفاة أو رخصة قيادة.. ستستشعر للوهلة الأولى بأنك مقبل على معاناة قاسية. الموظف دائما متبرم يعطيك إحساس بأنه يؤدي وظيفته رغما عنه، ويكاد يقول إنه يشتغل بقدر ما يقبضه من راتب!
من الصعب مناقشته إذا أحجم عن انجاز المعاملة بحجة نقص الأوراق المطلوبة. لا تعرف أي أوراق ناقصة أو أي مشاوير أخرى يجب قطعها قبل الوصول إليه. ليس عنده وقت لذلك سوى الشخط فيك وزجرك وربما لو حاولت قليلا معه لقذف بك إلى الشارع!
والغريب أن بعض هؤلاء الموظفين يخطئون في كتابة الأسماء. سأعطيكم مثالا. أخطأ موظف السجل المدني في حرف من اسم ابني في شهادة الميلاد الورقية عند تحويلها إلى مميكنة. استبدل الفاء قافا. اكتشفت في الواقع أن تصحيحها، أسهل منه أن تمخر عباب الموج مسافرا إلى الأمم المتحدة لتستخرج قرارا منها. 
يتمطى الموظف محولا عينيه عنك سريعا فلا وقت لديه لكي يسمع أو يقول شيئا. الأوراق التي طلبها كثيرة جدا، لا ينقصها إلا تحليل الدي ان ايه !!. لا عليك ليست هذه مشكلة فيمكن تجهيز تلك الأوراق أو الوثائق. 
بعد تقديمها تكتشف أن الملف سيعرض على لجنة من الأمن الوطني ليقرر بشأنه. حتى هذا لا شيء فيه إذا كانت معاناتك مع خطأ الموظف ستنتهي، وإذا كان من ضرورات الأمن القومي. 
تذهب بعد 21 يوما وهو التوقيت الذي حدده لك الموظف للمراجعة في إدارة أخرى. لا تطيق الموظفة الإطلاع على الورقة جيدا. تقول بتأفف شديد "يا استاذ.. هذا الملف في الأمن الوطني". أعرف طبعا ولكن الاستعلام بشأنه عندكم. ترد الموظفة والضيق يكاد ينفجر من داخلها وأنا أتمتم في نفسي.. استر يا رب.." تعالى بعد أسبوع". أتحداك حينئذ أن تطلب منها مراجعة الكشوف أولا.. فقد يحدث لك ما لا يحمد عقباه!!
اخترت الحديث عن المصالح التابعة لوزارة الداخلية لكونها من أكثر الجهات تواصلا مع الجمهور.. أما المصالح الحكومية التابعة للوزارات الأخرى مثل الزراعة والعدل والتربية والتعليم والشئون الاجتماعية.. فالمعاناة تعادل ثقل الجبال.
في دبي كل تلك المعاملات تنجزها من بيتك وتستلمها على عنوانك دون مجهود أو معاناة مع الموظفين، وحتى لو اضطرتك الظروف إلى الذهاب لمقرات تلك الهيئات فانت في نزهة لا تستغرق سوى دقائق.
إعادة بناء الموظف وتأهيله لعمله وللاحتكاك بالناس والتواصل معهم، مؤشر على حضارة دولة ورقي بنيانها الحكومي.
 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:52 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:55

  • عشاء

    19:25

من الى