• الخميس 16 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر01:42 م
بحث متقدم

(الصراع حول نهر السنغال يشبه الصراع حول نهر النيل)

وجهة نظر

محمد حافظ
محمد حافظ

دكتور مهندس/ محمد حافظ

1- مع تأزم موقف المفاوضات بين دول حوض النيل الشرقي (إثيوبيا والسودان ومصر) بسبب تشييد سد النهضة. وصراع المصالح والخسائر بين أطراف الصراع. يتجه الفكر للجانب الغربي من القارة الإفريقية ,وتحديدا  لحوض نهر السنغال لعلنا نجد حلا حضاريا تتعلمه شعوب حوض النيل الشرقي. 

2- سيناريوا المحاكاة لطبيعة الصراع المائي لدول النيل الأزرق ودول نهر السنغال تكاد تتشابه بنسبة تزيد عن 75%. ففي جهة الشرق تتصارع دولة المنبع الإثيوبية مع دولة الممر السودان ودولة المصب مصر. وفي الجهة الغربية من القارة الإفريقية تتصارع دولة المنبع (السنغال ومالي وموريتا نيا ) على مياه نهر السنغال. إلا أن الخلاف في الجانب الشرقي قد يتحول يوما ما لصراع يهدد وجود دول ومجتمعات  دول الحوض , بينما نجح أطراف الصراع في الجانب الغربي للقارة من تحويل نقط الخلاف لنقط (لقاء) تتلاقي فيها منافع ومصالح شعوب حوض نهر السنغال.
 

حوض نهر السنغال
3- فنهر السنغال يمر عبر 4 دول هي غينيا ومالي والسنغال وموريتانيا إلا أن إعتماد كل من السنغال ومورتيانيا عليه يفوق كثيرا إعتماد دولتي غينيا ومالي. فمورتيانيا هبه نهر السنغال. حيث يعيش معظم سكان دولتي السنغال ومورتيانيا على ضفاف النهر العابر لحدود البلدين من الشرق للغرب. 
4- تتشابه التركيبة السكانية لأهالي حوض نهر السنغال  مع نفس التركيبة السكانية لأهالي حوض النيل. حيث أنهم خليط من العنصر العربي والعنصر الإفريقي, إلا أن درجة الإنصهار العرقي والإجتماعي على الجانب الغربي أفضل بكثير مما هو عليه بالجانب الشرقي للقارة.  فمن السهل جدا أن تجد عائلات تعيش على ضفاف نهر السنغال منذ مئات السنوات يتكون نصفها من حاملي الجنسية السنغالية ونصفها الأخر حاملي الجنسية الموريتانية. ولهذا فثقافة سكان حوض نهر السنغال تعتبر أكثر تجانسا عن ثقافة سكان حوض النيل الشرقي.
 
(نهر السنغال عابر لحدود السنغال ومورتيانيا)
5- ولربما كان لهذا التجانس القديم العريق بين سكان ضفاف نهر السنغال أحد  أهم الأسباب في تحويل أخطر المشاكل الوجودية بتلك الواحة الصحراوية إلي مشكلة داخلية بين أخين بأسرة واحدة. أخين كل منهما لايريد إحداث ضرر جسيم بأخيه وفي نفس الوقت يريد أن يحافظ على مقاومات حياته. ولهذا كان من الضروري جدا تقديم بعض التضحيات المخلصة  على الجانبان السنغالي والمورتياني , وخاصة من الطرف السنغالي الأقوي للطرف المورتياني الأضعف نسبيا. 
6- لم تتداول وسائل الإعلام العالمي الصراع على مياه نهر السنغال بنفس الشكلية التي تتناول بها اليوم الصراع حول نهر النيل الأزرق بسبب سد النهضة. وذلك لحسن نية كافة أطراف الصراع  السنغالي والسعي الحقيقي في تحويل عناصر الصراع على مياه النهر إلي فرصة تاريخية لإعادة ترتيب بيت الأسرة من الداخل وإحداث التعديلات اللازمة لضمان عدم تحويل الخلاف على مياه نهر السنغال ذات الـ (21.5 مليار متر مكعب سنويا) لصراع وجود بل فرصة لتفعيل مجالات التعاون التي تجلب المنفعة على البلدين. وذلك من خلال تخليق فرص إقتصادية تعتمد بشكل أساسي على مياه نهر السنغال تدار من قبل شركات إقليمية يشارك فيها بلدان الحوض بحيث ترتبط مصالح تلك الشركات بما في النهر من ماء. وبهذه الشكلية تعمل إدارة تلك الشركات بشكل دائم على ضمان وجود ماء كافي في النهر لتوليد كهرباء توزع على مجتمعات دول الحوض بشكل يساهم مباشرة في النمو الإقتصادي لدول الحوض. هذا بالإضافة لشركات أقليمة أخرى تعمل في مجال النقل  النهري  بين دول الحوض و ترتبط مصالحها بشكل مباشر بوجود توازن لمناسيب  المياه في النهر أمام وخلف السدود المقامة عليه. 
7- ربط المصالح الإقتصادية لدول حوض نهر السنغال من خلال تلك الشركات الإقليمية المشتركة أخرج عنصر السياسية من خارج معادلة السيطرة على تدفقات نهر السنغال. وجعل الأمر مرتبط تماما بمنافع  إقتصادية تعود مباشرة على مجتمعات حوض نهر السنغال. وهكذا تحول الصراع على مياه نهر السنغال العابر للحدود من صراع  وجودي إلي شركات إقليمية   تساهم في تخليق فرص عمل للشباب وتدفع ضرائب لميزانية الدولة.
8- والسؤال هنا.
هل يمكن  تطبيق نموذج التعاون الإقتصادي لدول حوض نهر السنغال   على أرض واقع دول حوض النيل الأزرق؟
هل سيأتي يوم يري فيه مجتمعات دول حوض النيل الأزرق قطار ركاب وبضائع يسافر بين آديس آبابا متجها إلي الخرطوم ومنه إلي  القاهرة؟
هل سيأتي اليوم الذي تري فيه الأجيال القادمة لسكان دول حوض النيل سفن نهرية تحمل بضائع من أوغندا تتجه لتصدر عبر ميناء الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط؟


9- قد يبدوا من الناحية النظرية البحتة وجود إحتمالية لتحقيق تلك الأحلام المستقبلية, إلا أن المعطيات على أرض الواقع بدول حوض النيل ككل لا تبشر بوجود فرصة حقيقية لتحقيق هذا النموذج من التعاون بشكل شامل بين تلك الدول بسبب ما بينها من خلافات ثقافية وعقائدية , بإستثناء جزئية العلاقة بين دولتي السودان ومصر.
10- فنموذج التعاون بين كل من السنغال ومورتيانيا يؤكد فرص نجاح التكامل والتعاون بين كل من السودان ومصر بشرط واحد هو تبني الفكرة من خلال منطلق شعبي إقتصادي وليس من خلال قرار رئاسي لقيادات البلدين. فعناصر التعاون والتكامل بين مصر والسودان أقوي بكثير مما بين السنغال ومورتيانا. 
11- فالسودان يمتلك كافة المقومات الطبيعية لتصبح دنمارك أفريقيا. فما لدي السودان من ثروة حيوانية أكبر من 5 أضعاف ما لدي الدنمارك وهولندا  مجتمعين. إلا أن إدارة تلك الثروة الحيوانية في السودان لا تعود عليها إقتصاديا بأكثر من 1% مما تحققه الثروة الحيوانية في الدنمارك أو هواندا.
12- فأهم العقبات التي يعيشها الإقتصاد السوداني اليوم هو إهداره لثرواته الطبيعية من خلال تصديرها على هيئة مواد خام وبأرخص الأسعار. فمياه شرق السودان التي تستغل لزراعة برسيم  لتصديرها لدول الخليج كان يمكن أن تتضاعف قيمتها لو تم تحويل تلك المياه لملايين الأمتار المكعبة من اللبان  المستخدمة في صناعات أجبان تصدر لدول العالم. أو لحوم  معبأة تباع بالكيلو جرام وليس بالرئس. فمفهوم  القيمة الإضافية للثروات الطبيعية السودانية هو مفهوم غائب تماما عن فكر الإدارة السياسية للبلاد. 
13- بينما على الجانب المصري حيث  اليد العاملة الرخيصة  وشبكة الطرق والقطاراتوالنقل النهري هي كافية تماما  لتجعل من مصر بوابة دولية لتصدير المنتجات  السودانية (المصنعة) وليست (الخام) .
14- آليه تحقيق هذا التكامل بين مصر والسودان يجب أن يكون بهدف تحقيق ثراء ورفاهية لأبناء وادي النيل  كضامن لإستمراية هذا التعاون ,وهذا لايمكن أن يتحقق ما لم يتم إستفتاء دستوري في البلدين و في آن واحد يسمح لأبناء البلدين في حرية  التنقل والتملك والعمل والإقامة  كأجانب مكفول لهم حفظ حقوقهم  المادية والإجتماعية بغض النظر عن تقلابات العلاقات السياسية. 
15- إستفتاء يسمح بتحويل مشكلة مثلث حلايب إلي بوتقة إقتصادية يستفاد منها الطرفان من خلال تحويله إلي منطقة تبادل تجاري إفريقي حرة , إستفتاء يمنع تكرار مصادرة جامعة القاهرة بالخرطوم و ممتلكات وزارة الري المصرية. إستفتاء يمنع تذبذب العلاقات الإقتصادية بين الشعبين وفقا للمزاج الشخصي لقيادة السياسية بالبلدين. 
16- فالإرادة السياسية لقيادات دول حوض نهر السنغال هي التي تنازلت طوعا عن دورها ليحل مكانها الإرادة الإقتصادية من خلال التعاون الإقليمي والإلتزام بمتطلبات هذا التعاون لضمان إستمراره للأجيال القادمة بحيث يتحول مع الزمن لجزء من ثقافة مجتمع حوض نهر السنغال, وهذا ما يجب أن تكون عليه ثقافة مجتمع بلدان وادي النيل. 
17- فهل يدرك نظام  السيسي  الإنقلابي أن التعاون مع  السودان هو أهم بكثير من التعاون مع دول الخليج العربي من الناحية الإستراتيجية, وأن ترسيم الحدود السودانية- المصرية أهم من ترسيم الحدود المصرية- القبرصية أو الحدود مع السعودية.
18- درس للإعتبار من غرب إفريقيا لدولتي وادي النيل, حفظ الله شعبنا العربي في مصر والسودان وأبعد عنهم  أكاذيب الإعلام الموجه سياسيا وجعلهم من من يسمع القول فيتبعون أحسنه.
وسلام

** أستاذ هندسة السدود بجامعة Uniten-Malaysia


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:42 م
  • فجر

    03:56

  • شروق

    05:26

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:42

  • عشاء

    20:12

من الى