• الإثنين 20 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر02:40 م
بحث متقدم

محمد الباز.. بين "إسلام العقيدة" و"إسلام الوديعة"

مقالات

علمنا تاريخ الصحافة، القريب والبعيد، منذ وجدت مطابع وأحبار و(مانشيتات) في مصر والعالم، أن الطريق للخلود الأدبي في الضمائر لأي إعلامي نزيه، لا يمر إلا بباب واحد، يتعين اجتيازه مهما تكن الكلفة باهظة والثمن فادحًا مرهقًا، وليس لعمارة الخلود الشامخة في السماء في بلاط صاحبة الجلالة أي أبواب أخرى، أعني باب الدفاع عن كرامة الشعوب وحرياتها المدنية دستورها، وإرهاف وعيها والارتقاء به ضد المسخ والتدليس والتجهيل العمدي، فضلاً عن الدفاع الصلب عن حقوق البسطاء فيها من "ملح الأرض"، أعني حقوقهم في لقمة الخبز والسلعة معقولة الثمن وفرصة العمل الشريفة والمسكن الآدمي غير المجروح، وأي افتعال لـ"أمجاد" وهمية مصطنعة خارج هذا الفضاء المحدد لمعنى المسئولية الإعلامية، هو خديعة واحتيال وضحك عربيد على الذقون!  سيكون - في واقع الحال - مجرد  تصنيع "ضوضاء وهمية" للفت الأنظار و"الشو الإعلامي"، وتقمص دور "شهيد الفكر" أو "شهيد القضية"، حيث لا توجد (قضية)، ولا يتجسد (فكر)، ولا توجد في واقع الأمر أية ساحات أو حلبات  للبطولة الجادة الواضحة، أو الفروسية النبيلة، اللهم إلا اللعب المطمئن في المساحة المأمونة التي لا تكلف معركة حقيقية غير مأمونة العواقب مع قوة كبيرة، أو  غضبًا من سلطة، أو سخطًا من رأس المال السياسي، الغول الذي يملك مفتاح التألق الإعلامي لأي مغامر جديد ويحوز  سحر (الميديا) وأمجادها (البنكية)  لا الأخلاقية أو الإعلامية!


 حاول الكاتب الصحفي "محمد الباز"، رئيس مجلس إدارة وتحرير  صحيفة "الدستور" مؤخرًا، أن يلفت الأنظار إليه بقنبلة صوت ضخمة، تجعل العيون تتطلع بانتباه وهيبة إلى صحيفته - ضعيفة التوزيع! -  أو لنقل - بعبارة أخرى - حاول أن يستعيد ذاكرة الحضور لـ"وجوده الصحفي والإعلامي" بعد أن انحسرت الأضواء عنه ونسيه الجميع، وطوى معاركه الورقية القديمة مع الدعاة أو مناوشاته مع القضايا الدينية الشائكة، دون أن يتنبه لتغيرات الزمان والمكان وطبيعة المرحلة ومعاركها واستحقاقاتها الجديدة. جرت في النهر مياه كثيرة، فتراجع موقع الرجل عن تطورات المرحلة ومسرحها الحقيقي، وحين استعاد ذاكرة الحضور، كانت المساحة الوحيدة التي يمكن أن تعيده إلى الواجهة أن يشتبك مع محن الحريات، ولم يجد في نفسه  - مع فداحة الثمن المتوقع - الجسارة الكافية لخوض الخطوة الملغومة!


 حاول "محمد الباز" أن يمشي، بمهارة كمهارة لاعب السيرك، على الحد المسنون الدقيق، الذي يضمن (لفت الأنظار) دون (مغامرة الصدام مع أية سلطة أو قوة كبيرة)، قد تكلفه فقدان الكثير من المكتسبات الجديدة، خصوصًا وهو يعد لبرنامجه الجديد: "باقي من الزمن" على راديو (90.90)  وهو برنامج سياسي جديد يتناول كواليس الانتخابات الرئاسية الجديدة، ويقدم عربون الصداقة الحميمية مع المرحلة، واختار "محمد الباز" أن يناوش الحس الديني للرأي العام وأن يتحداه - بمعركة مجانية عديمة المضمون! - كما اعتاد أن يفعل قديمًا، فهذه هى المساحة الوحيدة المسموح فيها بمعركة مفتوحة بلا سقف تقريبًا، والمتاح من خلالها تحدى مشاعر الرأي العام بما يتجاوز معنى الاستفزاز، وإهانة الناس في مشاعرها وشعائرها، بصورة صبيانية لا تتحسب للنتائج، ولا تبالي بقداسة الوجدان الديني لدى المصريين! وانتهز "الباز" فرصة زيارة حاكم عربي لمصر، فشارك في معزوفة تطبيلية، لم يكن الحاكم العربي الزائر بحاجة إليها أصلاً، وكتب "الباز" على صدر الصفحة الأولى من جريدته (العنوان الصادم) الذي استفز الجميع: "كيف استرد الحاكم فلان الفلاني، (الله) من أيدي المتطرفين! "خلت العبارة من معنى اللياقة والذوق ، وتجردت عن معنى الولاء وما يتعين أن تتحلى به عقائد الناس الدينية من هيبة ورمزية، وصدرت لرأي عام (محتقن أصلاً!) كل أنواع الاستفزاز، وهى تمضي مباشرة إلى الزج بالاسم الأعظم - العلم على الذات الإلهية - في سرادق سياسي نصبه (الباز) - وحده ! - دون مناسبة، متطوعًا دون أن يطلب منه أحد، ودون أن يميز بوضوح بين مجاملة دمثة لطيفة مقبولة في العرف الأخلاقي والدبلوماسي، و"نفاق" فج مقزز لا تتقبله فطرة سليمة!  وهو نفاق ذكرنا بالشاعر القديم الذي قال للخليفة يومًا: ".. من لم يكن في صومه متقربًا بك فصومه لم يقبل..!"، أو بمن قال  يومًا، بوجه مكشوف سقطت منه قشرة الحياء:


 ما شئت لا ما شاءت الأقدار       فاحكم فأنت الواحد القهار!


أو بمن قال لمبارك يومًا في أعقاب استرداد "طابا": "صاحب هذا النصر السياسي، مبارك لا شريك له!" والحكام والقادة، عمومًا في مراحل التحول الكبرى، لا يحتاجون إلى هذا النفاق (التأليهي)  الفج، وإنما يحتاجون إلى المعلومة والتحليل والرؤية الرصينة والمشورة النزيهة والتغطيات الإعلامية المهنية التي تعينهم في المسارات المستقبلية، على القرار السليم.


 استبق "الباز" الضجة التي توقعها مسبقًا حول عبارته الرديئة - الصبيانية، التي لم يطلبها منه أحد، بالقول في تصريح صحفي متشنج - مندفع: ".. لا أقبل أن يزايد علي أحد، وهؤلاء كل ما قالوه تحت حذائي لا أراه..!" ولم يفهم "الباز" - بعيدًا عن حذائه وما يوضع تحته أو فوقه - أن هذه العبارة العنصرية - الفاشية المهرطقة، التي وضعها على واجهة جريدته، لا مكان لها في مصر التي تحترم الأنبياء والرسل، وتحتفظ في وجدانها الديني بميراث عزيز رفيع يتعلق بفكرة "الألوهيات"، أو بمبحث "الألوهيات"، كما يقول علماء العقيدة،  فالخطاب المتصل بالذات الإلهية - كما تعلمنا في العقيدة الإسلامية في مظانها وأصولها  - يتعين أن يحتفظ بأدبيات وآداب خاصة، لا يترك الكلام فيه على عواهنه، ولا يندفع الإنسان معه في ضرب الأمثلة الأرضية دون تحفظ أو احتراز، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: "فلا تضربوا لله الأمثال، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون" (النحل / 74)، ومعنى الآية فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه أو "لا تجعلوا له أندادًا  وأشباهًا وأمثالاً، ولم يندفع الباز في (ضرب المثل) فحسب، وإنما كان مثله صبيانيًا سخيفًا، ساقطًا، عطنًا،  متمرغًا في عالم البيزنس و"الودائع البنكية" القابلة للاسترداد ، حيث صاغ عنوانه الصحفي بتبلد واندفاع وعمى!


 يا سيد باز،  (الله) عز وجل ليس "وديعة تسترد" من أحد، ولكنَّ هذا الاسم الأعظم، العزيز على القلوب، بلسمًا وشفاء، علم على الذات المقدسة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا وإليها مصيرنا، فالله تعالى -كما علمنا سادتنا العلماء- أهل الحمد والمجد، لا نبلغ حقه توقيرًا وإجلالاً.


 حين قرر الصحفي الكبير - بحق ! - "أمين الرافعي" (1886 _ 1927)   أن يخوض حربًا صحفية محترمة، خاض عام 1925 حملته النبيلة، التي عرفت بحملة نوفمبر لاستعادة الحياة النيابية في مصر على غير رغبة القصر، فعادت الحياة النيابية بالفعل - بفضل قلمه الشريف -  ودفع الرجل الثمن من قوت يومه. وحين قرر د.محمد حسين هيكل أن يخوض حربًا رفيعة، تحدى مرسال الملك فؤاد (الإبراشي باشا)، الذي حذره من بعض عناوينه الصحفية الجريئة  بجريدة: "السياسة" -التي أغضبت الملك، فقال متوعدًا: "تذكر أن الأمر يخص صاحب الجلالة الملك!" فرد عليه: "هيكل": "و تذكر أنت أن الأمر يخص صاحبة الجلالة الصحافة"! ودفع هيكل الثمن من معايشه وأرزاقه! وحين قرر الصحفي - النبيل - عبد القادر حمزة أن يخوض حربًا حول جريدة "الأهالي" - في أعقاب ثورة 1919 - إلى قذائف مركزة ضد القصر والاحتلال ، ودفع الثمن فلم يهنأ يومًا على وسادته بنوم!
هؤلاء جميعًا خاضوا حروبًا نبيلة بحق، بعيدًا عن الألوهيات والودائع المستردة أو الموهوبة! ولكنهم دافعوا بصلابة عن كرامة أمة ورغيف الفلاحين والبسطاء، وبوضوح فمقالتك يا سيد (باز)  لا مكان لها في مصر، التي تعرف (إسلام العقيدة)، لا (إسلام الودائع)!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:41 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى