• الإثنين 23 أبريل 2018
  • بتوقيت مصر11:28 م
بحث متقدم

الرجل الأبيض «الكيوت».. الرجل الأبيض «المجرم»

مقالات

أخبار متعلقة

تراهن السياسة الخارجية المصرية على الجواد الأمريكى (الرابح)، ومن ثم على منظومة الأقمار الدائرة فى فلكه (وخصوصًا الربيبة المدللة "إسرائيل")، ويعتمد هذا الرهان على انطباع عام، أقرب إلى الانطباع (الشعبي) الضحل، أو الانطباع المترسخ لدى النخبة المصرية غير الناضجة، بأن الأوروبى أو الأمريكى (الرجل الأبيض كما يشاع فى بعض الأدبيات السياسية!) هو فى النهاية رجل "كيوت" لطيف دائمًا، يطفح بالإنسانية والاعتدال، ويشع بالملائكية والتقديس المطلق للحريات، لا يعرف العنف طريقًا إلى ممارساته وأفعاله، ولا يعرف العمل المسلح المباشر العدوانى، طريقًا إلى سياساته ونمط حياته اليومية، فحياته ماضية رأسًا بالشوكة والسكين وموسيقى "باخ" الحالمة، وابتسامته الملائكية لا تبارح وجهه المتورد، و(البلطجة) هى آخر كلمة يمكن أن تتسرب إلى قاموسه أو ممارساته اليومية أو سياساته الميدانية، أما عائلة المفردات الشيطانية (العنف / العمل المسلح / الراديكالية / التطرف الأسود / بغض الآخر المغاير فكرًا أو عقيدة..) فمفردات أو كلمات، لا يعرفها إلا المسلمون، ولا تجد طريقها إلا إلى أصحاب اللحى والجلباب الأبيض القصير و(الغطرة)، وهذا الكليشيه (المعلب) لا يقبل أى نقاش _ فيما يرون _ وتلك (المسلمة الصارمة) ليست قابلة لأى مراجعة، مع أننا فى عالم (المسلمات اللينة لا الصارمة!) كما يقول "ألفين توفلر" فى كتابه الشهير: "تحول السلطة"!
أفاق كثيرون من العرب الطيبين، المعتنقين لفكرة "الرجل الأبيض الكيوت" على تعيين (بلطجية) أمريكية عريقة فى الإجرام، هى "جينا هاسبل"، نائبة لمدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، وبادر النشطاء على "فيسبوك" إلى التقاط وتداول صور صادمة لها، وهى تحرق رجلًا عربيًا بالكهرباء، وبادر المحللون إلى تداول أخبار متنوعة حول (القبضاي) الأمريكية الجديدة، التى نافست كل البلطجية العرب، وتفوقت على جميع (الشبيحة) الذين عرفناهم فى العالم العربى، حيث أشرفت فى بعض السجون السرية فى "تايلاند" على عمليات تعذيب سادية بشعة، من بينها "إيهام المعتقلين بالغرق" لتحطيم نفسيتهم، فضلًا عن تقنيات تعذيبية أخرى، لا يتصورها أحد! ونسى أصحاب نظرية "الرجل الأبيض الكيوت" صاحب "الببيون" والثياب المخملية الأنيقة، أن المسخ الأمريكى "دونالد ترامب"، لم يورد على لسانه _ فى مجمل خطبه وتصريحاته _  كلمة "الحريات" أو "كرامة الشعوب" ولو مرة واحدة، فحديثه دومًا عن (الغرباء المتطفلين) أو (المهاجرين الأوغاد) أو (السود الغوغاء) أو (المسلمين المرضى).. وغيرهم ممن لا يصلح معهم إلا (العصا) دون (جزرة)!
انتخاب "ترامب" أو صعود رموز المد اليميني المتطرف فى أوروبا، تطور متنامٍ طبيعى فى السياق الأمريكى / الأوروبى الجديد، فالدعايات الإعلامية المكثفة فى أمريكا وأوروبا، ألصقت سمات التوحش والعنف وضيق الأفق إلى كائن وحيد هو (العربى) و(المسلم)، فيما نعرف جيدًا أن العقود الثلاثة الأخيرة، قد عبأت الأجواء الأوروبية والأمريكية بكل أشكال التطرف الأسود، والميديا الأوروبية والأمريكية نفسها، هى التى غضت الطرف _ أو بالأدق مارست تعتيمًا كاملًا! _ على مخزون العنف والراديكالية والكراهية القاتمة التى زحفت إلى الفضاء الأنجلو الأمريكى، والفضاء الفرانكوفونى، فمع انتهاء الحرب الباردة ظهر العدو الجديد فى المعالجات الإعلامية والكتابات الأوروبية النافذة، أعنى "المهاجرين" _ وخصوصًا المسلمين _ فتم شيطنتهم بكل الطرق، وتنفير الرأى العام منهم بكل الوسائل!
وطوال الثمانينيات والتسعينيات تنامى التطرف الأسود فى أوروبا وأمريكا ليعشش فى كل ركن، ووجه قصفه المكثف ضد (المهاجرين) الذين جاءوا من الأقبية والصحراء والمزابل، ليقاسموا الشعوب البيضاء _ فى بلاطها الملكى _ الطعام والمواصلات وفرصة العمل! أنتج هذا التصور العنصرى المتطرف عملًا  تنظيميًا مؤسسًا _ مسلحًا فى كثير من الأحيان! _ فى الداخل الأمريكى والأوروبى، فظهرت منظمة (الاعتداء) فى بلجيكا لسحل الغرباء والمهاجرين فى "بروكسل"، وتشكل فى فرنسا منظمات شديدة التطرف كـ"القوميين الأوروبيين" و"القوميين الثوريين" و"منظمة الطريق الثالث"، وتأسست فى النمسا حركة "الولاء للشعب"، يتزعمها كبير المنظرين لتيارات النازيين الجدد هناك "جوتفريد كاسيل". 
وفى بريطانيا ظهرت حركة "القتال 18"، وانفجرت "الكتابات نازية الهوى" كما يقول "بيتر شولك" Peter Chalk، وفى الفضاء نفسه تنامت الأذرع الفاعلة لمنظمة "الألوية الحمراء"، وغيرها من المنظمات التى استهدفت البنوك والمؤسسات والشخصيات السياسية والغرباء بكل أشكال الاعتداء والتصفية الجسدية، وفى الوقت الذى ركز فيه الإعلام الغربى على "الفقه الإسلامى" الاستباحى الذى نظر لجماعات العنف السياسى الإسلامى، كما يقولون، نسينا فى زحمة الإلحاح، المفكر الإيطالى / الكارثة: أنطونيو نيجرى"، الذى رسم فى كتاباته، خصوصًا كتابه الشهير: "الإمبراطورية" دستورًا متكاملًا للعنصرية والاستباحة والقتل بدم بارد!
وجب على "سامح شكرى" أن يتنبه للتوازنات الجديدة، والفضاءات الراديكالية الجديدة المتنامية فى أمريكا وأوروبا، ووجب مع ذلك أن نودع عهد "الرجل الأبيض الكيوت"، الذى ليس له وجود فى حقيقة الأمر إلا فى أذهاننا، فأمريكا الآن تستعد فى سوريا لخلق نفوذ سياسى وعسكرى، شرق الفرات، لضمان موطئ قدم قوى لها فوق الأراضى السورية، من خلال ثمانى قواعد عسكرية موزعة على الرقة والحسكة ودير الزور، وسترسم وجودها الجديد بالنار والدم، كما رسمت وجودها فى العراق _ منذ عهد بول بريمر _ بالنار والدم وصواريخ كروز التى تطحن جماجم العرب والمسلمين بلا رحمة. 
واشنطن، شأنها شأن موسكو، مصرة على تمزيق الداخل السورى إلى مائة قطعة بغريزة أسماك القرش المتعطشة إلى الدماء، وعلى الحالمين العرب، أن يفيقوا من نومهم، ليتنبهوا إلى البلطجى الأمريكى والأوروبى الجديد، وعلى السياسة الخارجية المصرية، المتبنية لخيار الارتماء فى الحضن الأمريكى، أن تعيد النظر فى التوازنات الجديدة، خصوصًا بعد ظهور كتاب: "بيتر هيان": "نهاية السياسة الخارجية" The end of foreign policy وبوضوح فالقادم _ أمريكيًا وأوروبيًا _ ليس لطفًا ولا اعتدالًا ولا تعاونًا سلميًا، بل نزعًا للأظافر وسملًا للأعين بلا رحمة، وقد خصصت الإدارة الأمريكية الجديدة أربعة مليارات دولار سنويًا لشىّ سوريا، وفى الطريق مزيد من الأرصدة المالية الضخمة لسحل مزيد من العرب والمسلمين، حتى ولو تصوروا _ فى لحظة غفلة أو تخدير _  أنهم "الابن المدلل" الذى لم يؤذِ أمه يومًا!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توافق على رفع رواتب الوزراء وكبار المسئولين؟

  • فجر

    03:53 ص
  • فجر

    03:54

  • شروق

    05:23

  • ظهر

    11:58

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:33

  • عشاء

    20:03

من الى