• الأحد 16 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:28 م
بحث متقدم
بعد 6 سنوات من تمريره

«البشري» يفتح خزانة أسراره حول الإعلان الدستوري

ملفات ساخنة

طارق البشرى
طارق البشرى

حوار: محمد عبدالقدوس

الإخوان تنظيم دعوى وليست لهم خبرة سياسية فى الحكم.. وأخطاؤهم أوصلتنا إلى ما نحن فيه

اللجنة كانت تضم كبار رجال القضاء والقانون فى مصر.. وقاض بـ «الدستورية» وراء اختيار صبحى صالح

كنتُ منحازًا إلى الديمقراطية.. وبعض دعاة الحرية أرادوا تشكيل لجنة يعينها المجلس العسكرى لوضع الدستور الجديد

جدى كان شيخًا للأزهر.. والخديوى عزله بعد أن رفض الانقياد له

هؤلاء أثروا فى شخصيتى وتكوينى.. ولم أتطلع يومًا لأن أكون محاميًا

نكسة 67 كانت سببًا فى تركى اليسار.. واتجاهى ناحية الفكر الإسلامى

سألته عن شريكة العمر فرد فى كلمتين: إنها صديقتى

لجنة تعديل الدستور التى تشكلت بعد ثورة يناير لم تكن إخوانية

المستشار طارق البشرى، من الشخصيات المرموقة فى بلادى، يحظى باحترام واسع من كافة الاتجاهات، وأراه جمع بين الحُسنيين، فهو رجل قانون من الطراز الأول، ومؤرخ تاريخى قدّم كثيرًا عن تاريخ مصر الحديث، وهو قاضٍ غير تقليدى، ولا يعرف العُزلة عن الدنيا مثل بقية زملائه؛ بحجة المحافظة على العدالة والحياد بين الخصوم، والمستشار البشرى حريص على هذه المعانى، ومع ذلك ترى بصماته فى حياتنا السياسية، وأكبر دليل على ذلك أن المجلس العسكرى اختاره بعد ثورتنا المجيدة لتعديل بعض مواد دستور عام 1971؛ على رأس لجنة قانونية لهذا الغرض.

(إخوانى فى اللجنة.. لماذا؟)

ومن هذه النقطة بدأتُ حوارى معه، قائلًا: هذه اللجنة متهمة بانحيازها إلى الإخوان؛ بدليل وجود صبحى صالح، القيادى الإخوانى البارز بين صفوفها.

أجاب بابتسامة تدل على الثقة بالنفس، قائلًا: لجنة تعديل الدستور تشكلت فى 13 فبراير عام 2011، واستغرق عملها عشرة أيام لتعديل بعض مواد دستور عام 1971، أشار إليها المجلس العسكرى، ورأيت تشكيل اللجنة يناسبنى؛ فقبلت رئاستها، وإلا لقدمت اعتذارى، وكانت تتكون من ثلاثة من أساتذة الحقوق، وثلاثة آخرين أعضاء فى المحكمة الدستورية، وأعرفهم جيدًا.

وعن صبحى صالح، يقول المستشار البشرى: لم أكن أعرفه، والذى اقترحه على المجلس العسكرى، المستشار حسن بدراوى، زميلنا عضو المحكمة الدستورية، وشغل من قبل مدير إدارة التشريع بوزارة العدل، وكان على اتصال وثيق باللجنة التشريعية بالبرلمان، ومن أبرز أعضائها صبحى صالح، ورأى انضمامه للجنة تعديل الدستور سيكون أمرًا مفيدًا، وهذا ما حدث بالفعل! وعمله معنا لا ينفى كونها لجنة قانونية من طراز مرموق.. والجدير بالذكر أنه كان معنا المستشار "ماهر سامى"، وهو مصرى قبطى بارع فى مجاله، وعضو المحكمة الدستورية العليا.

(وكان انحيازنا إلى الديمقراطية!)

قلت له: والاتهام الثانى الموجه إلى اللجنة، إحداث انقسام عميق بين الثوار عندما فضّلتَ إجراء انتخابات للبرلمان قبل وضع دستور جديد للبلاد.

أجاب: الأمر لم يكن بهذا الشكل، كان انحيازنا واضحًا منذ بداية عملنا بالديمقراطية، واقترحنا وضع دستور جديد، ولم يكن هذا الأمر من مطالب المجلس العسكرى، لكننا استطعنا إقناعهم به ونجحنا بوضعه فى صلب الاستفتاء، وتحدد لذلك ستة أشهر كحد أقصى.

وأضاف قائلًا: وانحيازنا إلى الديمقراطية هو الذى جعلنا نرفض أن يشكل المجلس العسكرى لجنة لوضع الدستور، بل كان من الطبيعى أن تتم انتخابات البرلمان أولًا، ثم يختار جمعية تأسيسية تقوم بوضع الدستور، مع الاستعانة بكل الكفاءات والشخصيات العامة لإنجاز هذا العمل العظيم.. ولا أدرى لماذا اعترضت بعض التيارات السياسية على ذلك؟ الغريب أن هؤلاء يزعمون أنهم من أنصار الحرية والديمقراطية، وإصرارهم على لجنة معينة من قبل المجلس العسكرى فيه تناقض واضح مع ما يؤمنون به!!

"كلام من عندى": لعل السبب أن معظم هؤلاء لا شعبية لهم فى الشارع المصرى، ويعلمون تمامًا أنهم لن يفوزوا إذا حاولوا الحصول على ثقة الشعب فى الانتخابات البرلمانية.

(ما الذى أوصلنا إلى هذا المأزق؟)

سألته: ترى ما أسباب سوء الحال الذى وصلنا إليه؟ بعدما تم القضاء على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وكل الشعارات التى رفعتها ثورة يناير.. إنه مأزق حقيقى لا نعرف كيفية الخلاص منه!!

كانت إجابة المستشار طارق البشرى: أعتقد أن هناك أكثر من عامل أدى إلى انتكاس ثورة يناير، أولها أن جهاز الدولة منذ عام 1954 عاش مؤسسة وحيدة لحكم البلاد لا تقبل أى شريك لها، وتتصدى بقوة لأى تنظيمات شعبية ليس عليها سلطان عليها، وتعمل على اقتلاعها من جذورها، فهى مؤسسة قوامها التفرد والتوحد الكامل.

وأضاف قائلًا: ويزيد الطين بلة العامل الآخر، ويتمثل فى عدم وجود تنظيمات شعبية مستقلة عن الدولة تستطيع أن تقف فى وجهها وتؤثر فى قراراتها، فلم يكن موجودًا سوى الإخوان، وهم أساسًا تنظيم دعوى وليست لهم خبرة سياسية، وعندما قامت ثورة يناير لم يكن هناك قائد يجمع فصائلها؛ فأدى ذلك إلى تشرذمها، ووقع الإخوان فى أخطاء خاصة بعدما وصلوا إلى الحكم، ورأينا فصائل من التيار العلمانى تتربص بهم، وترفضهم من الأساس، واستغلت قوى الدولة الاستبدادية، كل هذه العوامل لإنهاء التجربة الديمقراطية القصيرة لهذه الثورة؛ ليعود الاستبداد كأشد ما يكون، ولا تستطيع تبرئة أحد مما جرى، الإخوان لم يقدروا الظروف السياسية؛ خاصة وأن هناك من عمل على إفشالهم والقوى المدنية تحالفت مع الاستبداد للإطاحة بالإخوان.

(أخلاقيات أخذتها من جدى وأسرتى)

وانتقل حديثى مع رجل القانون الكبير والمؤرخ الكبير الذى ترك بصماته على مجتمعنا إلى حياته الخاصة، وكيف تشكل طارق البشرى، وابتسم ابتسامة واسعة كأنه يتذكر الزمن الجميل، قائلًا: نشأت فى بيت جدى شيخ الأزهر، سليم البشرى، الذى تُوفى فى عام 1917م، بينما أنا من مواليد 1 نوفمبر عام 1933، وكان هذا المنزل يقع فى حلمية الزيتون، ويضم عائلة جدى، ومكثت هناك ثمانية عشر عامًا من أجمل أيام عمرى، أعيش مع أسرتى وأعمامى وعماتى، وارتديت عباءته، وأنا صغير! ومنزلنا حاليًا مدرسة تحمل اسمه.

والجدير بالذكر أن جدى تولى المشيخة مع بداية القرن العشرين الميلادى، لكنه فُصل منها عام 1904؛ بسبب تمسكه باستقلال الأزهر فى مواجهة الخديوى عباس الثانى، وبعد استقالته حدثت فوضى، وتولى ثلاثة من العلماء المشيخة خلال سنة واحدة، واضطر الخديوى إلى إعادة جدى إلى منصبه، وظل يرأس الأزهر حتى وفاته، ومات فقيرًا رغم أموال الأزهر الطائلة، لكنه حرص على تربية أولاده جميعًا أفضل تربية وتعليم، وأبناؤه تسعة أولاد واثنتان من البنات يعنى 11 ما شاء الله، وقد ورثت عنه وعن والدى صفات عدة من بينها ألا تسعى وراء المال أو المنصب، وابذل جهدك فى عملك بما يرضى ضميرك، وتوكل على الله بعد ذلك، وهو لن يقدر لك إلا الخير.

وعن والده المستشار عبد الفتاح البشرى، يقول: كان أصغر أبناء شيخ الأزهر، وتُوفى مبكرًا، وأنا طالب بكلية الحقوق، وأنجب أربعة أبناء أنا أصغرهم، أما والدتى فهى من أسرة تنتمى إلى الأزهر أيضًا، ورأيناها رمزًا للطيبة والحب لا تعرف البغضاء والكراهية حتى لمن أساء إليها، وقد ورثت عنها تلك الصفة.

(أساتذتى الذين تأثرت بهم!)  

وعن أساتذته الذين تأثر بهم فى حقوق القاهرة، حيث مكث سنوات أربع بين عامى 1949 و1953 قال إنهم أكثر من أستاذ، الدكتور السعيد مصطفى السعيد فى الجنائى، والدكتور حشمت أبوستيت، فى القانون المدنى، وهو من تلاميذ السنهورى النجباء، ومجموعة رائعة من أساتذة الشريعة الشيخ "على خفيف"، ومحمد أبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، والأخير كان تأثيره كبيرًا، حيث ربط عقلى بين القانون ومنهج أحوال الفقه، وهو شرط للقانونى الجيد، حيث منهج تفسير النصوص، وتطبيق النصوص الثابتة على الواقع المتغير، فأحوال الفقه تجمع بين المرونة والانضباط معًا، وربنا يرحم أساتذتى فى الحقوق.

(سر اهتمامى بالقضايا العامة)

سألته: لماذا لم تعمل بالمحاماة واخترت العمل فى مجلس الدولة؟

أجاب قائلًا فى صراحة: لم أتطلع يومًا لأن أكون محاميًا.. فتلك المهنة مع احترامى لها لا تناسب تكوينى، فهى تتطلب علاقات واسعة، وأنا بطبعى أميل إلى الهدوء والاستقرار والعزلة والعمل فى صمت، ومجلس الدولة كان يأخذ الأوائل، فتقدمت إليه بأوراقى، وبدأت العمل هناك منذ سنة 1954، وحتى إحالتى إلى المعاش عام 1998 تدرجت فى مختلف المناصب؛ حتى وصلت إلى نائب رئيس مجلس الدولة.

ويتذكر المستشار طارق البشرى، رؤساءه فى العمل من قيادات مجلس الدولة، الذين يمثلون جيل الآباء بالنسبة إليه، وربنا يرحمهم جميعًا.. المستشارون عبد العزيز الببلاوى، رئيس مجلس الدولة بعد ذلك، وسعيد خضير، وحسين حامد عوض، ووهبة البدوى.

قلت له: من يعمل بالقضاء لا يهتم إلا بعمله فقط، فهو بطبعه إنسان يميل إلى العُزلة، ولا يبدى رأيه فى قضايا الوطن ومشاكل الوطن، ولكننى أراك إنسانًا مختلفًا رغم أنك تميل إلى الانعزال فى حياتك، ومع ذلك لك بصمة واضحة فى قضايا الوطن؛ خاصة عندما كتبت عن تاريخ مصر الحديث، فما الذى دفعك إلى ذلك؟

أجاب بابتسامة النجاح: اهتمامى بالقضايا العامة عقب العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، ولأول مرة بدأت فى القراءة الحرة بعيدًا عن مجالى، وقرأت كثيرًا جدًا بالفلسفة والاقتصاد والتاريخ الذى استهوانى خاصة لدرجة أننى فكرت فى الالتحاق بكلية الآداب، لكن أوراقى ضاعت هناك!! وقرأت منهج التاريخ كله الذى يتم تدريسه بالجامعة، واستوعبته تمامًا، كما استوعبت من قبل الفلسفة والاقتصاد، فقد كنت أقرأ بتعمق وتركيز، وقد قراءاتى المتعددة خاصة فى التاريخ، بدأت فى النشر، وكان أول ما نشرته فى مجلة الطليعة عام 1964؛ تحدثت فيه عن أهمية سنة 1946، وكان فيها انتفاضة شعبية رائعة ضد رئيس الوزراء إسماعيل صدقى، وتوالت كتبى وكان آخرها "أوراق من ثورة يناير" التى تحدثت فيها عن لجنة تعديل الدستور التى كنت أرأسها، وانطباعى عن الثورة، وما جرى بعدها.. وعدد الكتب التى أصدرتها 32 كتابًا.

قلت له مداعبًا: "ربنا يزيد ويبارك.. أمسك الخشب"!! وتوجهت إليه بسؤال: أراك شديد الاهتمام بالأقباط فى كتاباتك.. فما السر فى ذلك؟

أجاب بتلقائية: إنهم جزء من تاريخ مصر، وأشرقت ابتسامة جديدة على وجهه وهو يقول: وهناك سبب آخر قد تتعجب له ففى عام 1969، قيل إن العذراء قد ظهرت فى كنيسة الزيتون، فذهبت إلى هناك ولفت نظرى جموع الأقباط الذين كانوا من مختلف الأشكال والألوان، ومن هذا اليوم تضاعف اهتمامى بالمسيحيين فى مصر، وكنت أتردد على كنيسة الزيتون، وزرت بعدها العديد من الأديرة والكنائس القديمة، وذهبت إلى دار الكتب لقراءة المزيد عن تاريخهم خاصة فى كتبهم القديمة التى لا تجدها إلا هناك.

(أتشرف بالانتماء للتيار الإسلامى)

قلت له: أراك رمزًا من رموز التيار الإسلامى فى بلادى.. وفى شبابك لم تكن كذلك.. فما الذى جرى؟

أجاب بتلقائية: هذا أمر يشرفنى ويسعدنى.. وتحولى الحقيقى بدأ بعد كارثة الهزيمة عام 1967، ولم أكن وحدى، بل كان معى عدد من الشخصيات العامة البارزة أصحاب الاتجاه اليسارى مثل عادل حسين، والدكتور محمد عمارة، والدكتور عبد الوهاب المسيرى.. وسألنا أنفسنا عن سبب تلك المصيبة التى لم تكن متوقعة، حيث كان عندنا تنمية واستقلال وطنى حقيقى، واقتصاد قوى، وتعليم متقدم! واكتشفنا غياب العامل الدينى، وغيابه من الأسباب الأساسية لما أصابنا.. وبدأت فى العودة إلى المرجعية الإسلامية، وكثرت الكتب التى كنت أقرأها فى هذا الاتجاه، وصلتى بالفقه وأحواله لم تنقطع.. لكن المعضلة الكبرى هى كيفية تنزيل تعاليم الإسلام على واقع حياتنا، وللأسف ما زال النجاح قليلًا فى هذا الموضوع.

(زوجتى صديقتى!)

وختمت حوارى المطول معه، قائلًا: موضوعى معك عنوانه صورة من قريب، وهى بالتأكيد لن تظهر واضحة وزى الفل؛ إلا إذا تحدثت عن شريكة العمر السيدة "عايدة محمود العزب موسى"، وهذا هو اسمها بالكامل.

ابتسم ابتسامة جميلة؛ تحيةً لها، قائلًا فى تلقائية وبدون تفكير: إنها صديقتى.. وربنا يعطيها الصحة وطول العمر، وهى من أسرة صحفية ومتخصصة فى الشئون الأفريقية، ووالدها كان صحفيًا وكذلك شقيقها، وقد أنجبت منها أجمل ما فى حياتى أولادى عماد، وزياد، وعندى أربعة أحفاد، وابنى "عماد" ينطبق عليه المثل القائل: "ابن الوز عوام"، فهو فى هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية، وأما "زياد" فهو باش مهندس، وعندما أقول عن زوجتى إنها عزيزة جدًا على نفسى، فهذا يكفى للتعبير عن حبى الكبير لها.






تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل ترى مصر قادرة على استضافة أمم أفريقيا 2019؟

  • فجر

    05:23 ص
  • فجر

    05:22

  • شروق

    06:51

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى