• الثلاثاء 24 أبريل 2018
  • بتوقيت مصر10:43 ص
بحث متقدم

جريمة القرن ..الحكام إذ يضيعون الأوطان

مقالات

أخبار متعلقة

لم يبالغ المؤرخون حين وصفوا سقوط بغداد واحتلال العراق فى 9/4/2003بجريمة القرن الحادى والعشرين.. وإذا وجب علينا ان نقول الأشياء كما هى فإن احتلال العراق كان بالفعل جريمة القرن بكل المقاييس..وبتقديرات الواقع بإمكاننا أن نصف احتلال العراق بالحدث الذى لا حدود له..وككل الجرائم الدنيئة فى كل وقت وكل حين كان الكذب والتدليس يحيط بها من فوقها ومن تحتها ومن خلفها ومن أمامها كذب فى كذب, وهوما لم يعد أمرا مجهولا فـ 15 عاما كافية تماما لإظهار وكشف كل الخبايا والخفايا,ومهما تحدثنا عن غرور وديكتاتورية وغباء صدام ونظامه الذى انعدم إحساسه بالقيادة كمسؤولية تمارس وواجبات تحقق..ومهما تحدثنا عن قوانين الكون فى الحياة والبشر والتى انطبقت على العراق انطباقا تاريخيا طبيقا وكما ورد فى تاريخ القرى والمدائن عبر الزمان وسردياته فى الاستقامة والانحراف عن قوانين التاريخ التى لا تجامل أحدا ولا تحابى أحدا..حيث لا تبديلا وحيث لا تحويلا إذ ما أن يتوفر للحدث أسبابه إلا ويحدث كما حدث مرارا من قبل..التاريخ يعيد نفسه؟..نعم يعيد نفسه ليس فى شكل و ظاهر الحدث ولكن فى باطنه وجوهره وقوانينه وأسبابه..وبغداد التى سقطت فى يوم الأربعاء 9/4/2003 م هى هى بغداد التى سقطت فى يوم الاربعاء 10/2/1258 م ..نفس الحاكم المستبد الذى لا يعبأ بشعبه ولا بقوانين  القوة والضعف فى حياة الأمم والشعوب, نفس الظروف الإقليمية فى الشام ومصر ..نفس الدسائس الطائفية والمذهبية والثأرات التاريخية ذات الوهم الكاذب والسراب الخادع ..نفس الأطماع الإمبراطورية المهووسة بالتفرد بالقوة والتوسع والسيطرة..نفس حركة التاريخ وقتها والتى جعلت من سقوط بغداد واحتلال العراق تاريخا مفصليا يؤرخ لما قبله ويؤرخ لما بعده,ويبقى التاريخ من اللحظات الأساسية فى وعى الإنسان ومعرفتة بنفسه وبقوانين وسنن الكون المحيط به.
وبالفعل فالتطورات والأحداث التي تجري في المنطقة الأن يقال فيها : قبل سقوط العراق وبعد سقوط العراق ..سواء كان ذلك ضمن الأسباب او ضمن النتائج فكلها قياسات معيارها النهائي زمنيا وموضوعيا احتلال العراق ودخول القوات الأمريكية بغداد..احتلال العراق شكل نقطة تحول كبيرة في مسار التوازنات الإقليمية في الشرق كله ,فيما يتعلق بالعلاقات بين الدول العربية وبعضها وبينها وبين مراكز الثقل فى دول الجوار إيران وتركيا ,وجرثومة التاريخ العربى الحديث( وإسرائيل)..أحدث احتلال العراق اختلالا عميقا  فى قلب الجماعة الوطنية العراقية_ إذا جاز لنا استعارة تعبير المستشار طارق البشرى _وفي معادلة التوازن الاجتماعى والمذهبى والعرقى(الاكراد والشيعة) .داخل العراق العربى الموحد .
نتحدث بهذا الصدد عن إيران الفاعل الاستراتيحى رقم واحد ورقم عشرة فى الواقع العراقى..وستجد نفسك تتحدث عن ايران قبل سقوط بغداد وبعد سقوط بغداد .وقبل أن نتناول إيران التى اكتوت بنيران حرب حمقاء ثمان سنوات(198-1988)ثم دالت دولة الأيام كما قدرها الخالق العظيم لتصبح ايران هى المبتدأ والخبر والمنبع والمصب فى الشأن العراقى..غير أن هذا ليس كل شيء,هم شيعة تحركهم دوافع مذهبية ضد السنة ؟ نعم , هم قوميون تحركهم دوافع عنصرية ضد العرب ؟نعم, لكن من المهم هنا أن نتصفح التاريخ فى مواقفه المتشابهة والمتشاكسة,خاصة وسقوط بغداد/ المستعصم عام 1258 يذكر معه فى كل حرف وسطر بن العلقمى وزير الدولة الشيعى الذى تحالف مع هولاكو ضد الخلافة العباسية السنية لكننا لا نتذكر كثيرا الخليفة الفاطمي الشيعى العاضد لدين الله الذى تحالف مع إخوانه السنة فى الشام (أسد الدين شيركوه والدولة الزنكية)وأصبح للخليفة الفاطمي وزراء سنة من أهل الشام.
ولا ينسى التاريخ أيضا ثورة العشرين(مايو 1920)ضد الانجليز والجهاد تحت راية الدولة العثمانية وهى الثورة التي وحدت الشعب العراقي تحت قيادة شعبية واحدة وبإشراف المرجعية الدينية بقيادة المرجع الأعلى(محمد تقي الشيرازى)وحاول الإنجليز _ما حاوله بريمر عام 2003 _إغراء الشيعة بإعطائهم امتيازات وحقوقا كثيرة لكن الوقت كان غير الوقت وكان الرجال غير الرجال..وكما قال مؤلف(الأرض الخراب)الشاعر الانجليزي توماس اليوت(1888-1065):للتاريخ ممرات ماكرة ودهاليز محتالة ومسائل مثيرة للجدل.
احتلال العراق كان جريمة وخطيئة تاريخية فظيعة..هكذا وصف بريماكوف رئيس الوزراء الروسى الأسبق وأحد المستعربين الكبار فى كتابه الهام( الشرق الأوسط المخفى والمكشوف )الذى أصدره المركز القومى للترجمة وترجمه ا/ نبيل رشوان. ويقول:هي العملية الأولى التي نفذت دون موافقة الأمم المتحدة وبهذا المستوى..وهى العملية التى لم تساند من قبل حلفاء أمريكا الأساسيين(ألمانيا وفرنسا)دعك من انجلترا فهى الوجه الأخر للميدالية كما يقولون . فى العراق حرب أهلية وشقاق وتصدع للبنية الاجتماعية للمجتمع والدولة وصدامات ما بين الشيعة والسنة والأكراد والتركمان  ما لم ارى مثلها في الفترة الأخيرة ولنقل على مدى 100 عام وبل لم يرها احد.. والآن لا نهاية لمثل هذه النزاعات ويكمل بريماكوف :أنا لا أبرء النظام السابق فقد كان له أخطاءه بل وتلطخ بجرائم عديدة ولكن الواقع يبقى واقعا واضحا فما حدث في العراق بعد ذلك أسوء بمرات عديدة مما كان عليه العراق من قبل.. نعم أسوء بكثير.. وليدخل العراق زمن اليأس المطبق على البلاد والعباد.
فى عام1927 م كتب أحمد شوقى أمير الشعراء العرب(الكردى)قصيدة عن الأمة العربية يبكى فيها جراحات العروبة جراء تمزقها وتفرقها بعد رفع مظلة الخلافة الإسلامية عن سقف الأمة ودخولها مرحلة النزيف والإنهاك (مرحل ما بعد الحرب العالمية الأولى) فقال :
 كلما أن بالعراق جريح **لمس الشرق جنبه فى عمانه 
نحن فى الفقه بالديار سواء **كلنا مشفق على أوطانه ..إنها الكلمات العظيمة التى كتبت بألم أعظم منها.
وسنظل نردد مع شوقى جملة (مشفق)على أوطانه طويلا..ليس على جريح العراق فقط ولكن على الجرحى والجراح بطول وعرض ديار العرب..لكن جرح العراق وجرحاه اليوم هو أكثرها أنينا وألما..توجعا وتفجعا..فعلاقات المصير تعلو على الاقتصاديات والماديات.  
ذلك أن المشرق بأكمله مهددا بما هو أخطر..وتتحمل الدولة العربية الحديثة والأنظمة العربية ما بعد انتهاء الرابطة العثمانية (الخلافة الإسلامية)مسؤولية الفشل والعجز..وذلك بعد فشل النخب المدنية والعسكرية (أسر ملكية وجيوش) فى الاستجابة لأمال الشعوب والقيام بواجبتها ومسؤليتها استنادا للدور الطبيعى للسلطة فى الدولة لوطنية الحديثة ..فشلت (العروش والجيوش) فشلا تاما فى حمل هذه المسؤلية..وازداد التخلف وتعمقت التبعية للأجنبى وتعملقت إسرائيل ..
وما انتشار لغة الطائفية الزاعقة بقوة هذه الأيام إلا أحدى أسوأ نتائجه..سنكتشف بكاء العقلاء على الخلافة الإسلامية وقتها..لم تكن دموع _بل دماء_بكاؤهم حسرة على شىء له تاريخية حضارية تداعب لواعج مشاعرهم الساذجة وتهافت أفكار عقولهم الساذجة المقطوعة الصلة بالمستقبل..!! بل كانت حسرتهم مستشرفه مستقبل الطائفية والتفتيت والتمزيق..الذى ينتظر عموم الديار العربية والإسلامية..سيبكى شوقى شعرا وهو يقول :
نزعوا عن الأعناق خير قلادة **ونضو عن الأعطاف خير وشاح  
وعلاقة فصمت عرى أسبابها** كانت أبر علائق الأرواح..ويكمل استشرافه وشعور بالمستقبل القاتم           ولتشهدن بكل أرض فتنة** فيها يباع الدين بيع سماح.
الشرق الأوسط كله والمنطقة العربية على الخصوص تشهد الآن صراعا محموما لرسم خريطته السياسية من جديد الخريطة التى تتأسس على سياق تكون فية الخطوط والفواصل قائمة على أساس دينى وطائفى وعرقى وليخلط كل ذلك فى خليط متفجر..انفجار يتبعه انفجار وفق مقتضيات الظرف التاريخى..وعلينا جميعا ان نتلقى الدرس ونعيه
ما بدأته أمريكا عام 2004 فى العراق (نموذجا) يتجاوز قصة البترول وأسعاره.. إيران وضجيجها..إسرائيل ويهوديتها..انه السهم النارى المغرورالذى كان استفتاحا استراتيجيا لعموم المنطقة..والذى يعتمد بالأساس على المذهبيات الصغيرة..من اليوم الأول وحرصت أمريكا على هدم الدولة الوطنية وإحلال دولة مذهبية تحمل فى طياتها مكونات الانفجار الكبير ..
 سنرى ما فعلته أمريكا بعد احتلال اليابان..وحرصها الشديد على الحفاظ على النظام الامبراطورى وكيان الدولة القديم..وعليك أن تقارن بين تجربة(ماك آرثر)فى اليابان وتجربة(بول بريمر)فى العراق..ماذا فعل هذا وماذا فعل ذاك..والهدف الواضح كان التقسيم التى ستبدو ضمنه يهودية إسرائيل منسجمة مع مذهبية المحيط الشرقى الذى لن يسلم من الحروب والصراعات كل يوم بل كل ساعة ..وليبقى الإنسان العربى فى كل ذلك تتقاذفه الأمواج من كل صوب وتغمره الظلمات من كل جانب إلا من النور الذى يجعله الله له.
المشكلة الكبرى لدى الغرب وأمريكا الآن هى (الأمة)..وحين أقول(الأمة) فانا أعنى تاريخية الإسلام  الحضاري كله والذى كان فيه(أهل السنة والجماعة)عماد القوة الأكبر..ومددها الدائم بالوسطية الجامعة فى جوانبها الأخلاقية والإبداعية واستقرارها العقلى والنفسى فكرا وحياة وهى الوسطية القادرة على مواجهة الحضارة الغربية ذات التراث الهيلينى الرومانى ..لكن للأسف كل شىء حولنا الآن فى طريقه لأن يفقد معناه العميق ونقاؤه المنير.
دعونا نستعبر بدموع الأمل والألم  مع نزار على بغداد :
بغداد جئتك كالسفينة متعبا **أخفى جراحاتي وراء ثيابي
عيناك يا بغداد منذ طفولتى**شمسان نائمتان فى أهدابى
لا تنكرى وجهى فأنت حبيبتى **وورد مائدتي وكأس شرابى.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توافق على رفع رواتب الوزراء وكبار المسئولين؟

  • ظهر

    11:58 ص
  • فجر

    03:53

  • شروق

    05:22

  • ظهر

    11:58

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:34

  • عشاء

    20:04

من الى