• الأحد 16 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر06:30 ص
بحث متقدم

أبو مكة.. لازال عتبة الحلم

مقالات

فضلت أن أنتظر تماما ً حتى تتبدد الأتربة الكثيفة و السحب المتراكمة و تنحسر عن المشهد الكبير تدريجيا ً ، لتصبح الصورة أكثر وضوحا ً ، و الملامح أوفر جلاء بكل تفاصيلها الصغيرة ، و فضلت في الوقت نفسه أن أنتظر حتى تصمت الأبواق المجنونة ، و تخرس الديجيهات الضخمة المنصوبة في الوسط الرياضي ، في حال شبيه بحال السرداقات العملاقة المنصوبة في الأعراس الشعبية فيما يعرف ب " أغاني المهرجانات " ، فضلت أن أنتظر حتى يتأكد خروج المنتخب المصري من المونديال و تخفت ( أو تصمت كصمت القبور ) الزفات المتهوسة ،و النغمة الشوفينية الوطنية المتطرفة _ في غير اعتدال _ و هي النغمة التي صور أصحابها لنا _ بغوغائيتهم ! _ أننا في المونديال " الديناصور " العملاق الذي ذهب ليلتهم الجميع ، و أن الفرق الأخرى مجرد " زريعة أسماك " صغيرة ستقبل بواقع الالتهام أو الابتلاع بسهولة ! و كنت متأكدا ً أن الخناجر المجنونة ستتكتل ، بحقد موتور سادي ، لتنهش زهرة الحلم الرياضي و الإنساني و الحضاري الجديد ، اللاعب الاستثنائي في تاريخ الرياضة المصرية : " محمد صلاح " ! لأن المرحلة الراهنة علمت الجميع كيف تمتليء صدورهم بالغل العنصري الأسود  _ خصوصا ً ضد النابهين ! _ و لم تعلمهم مرة واحدة أن يتسامحوا و يحبوا ، و لقنتهم دروساً مجانية موسعة في فن النهش في الأعراض و التشهير و الاحتشاد الحقود لاقتلاع النبوغ و استئصاله ، ليبقى وحدهم المخفقون يتصدرون خشبة المسرح المتآكل ، و ليتصدر الفاشلون _ وحدهم _ بؤرة اللقطة الفوتوغرافية الملطخة بالانتكاسات الثقيلة في كل الجهات   !
  كنت متأكدا ً أن زفة العواجيز المتصابين الذي أضاعوا الرياضة المصرية ، كما أضاعوا كثيرا ً من المساحات _ التي كانت واعدة يوما ً _ في السياسة و الاقتصاد و النشاط العلمي و الفني و التنموي و الإعلامي  ، أقول كنت متأكدا ً أن هؤلاء العواجيز المتصابين من فيلق الستينيات المتبقي و كهنة المعبد من أفراد الحرس القديم ، سيفسدون العرس بحماقتهم و غوغائيتهم  المعتادة و سقوطهم التنظيمي المتكرر ، و ستمتد أياديهم إلى " محمد صلاح " نفسه لتتنكر لبطولته بتبلد و تناحة  ، و هو الذي غامر بسمعته الدولية المتنامية " المتعملقة " مع منظومة فاشلة عريقة في الإخفاق   ، و كنت على يقين بأن " فرقة المعرقلين "  ستتحدى بغباء موهبته و إرادته الفولاذية التي شقت بجسارة صخور الفشل البيروقراطي الغبي الذي صنعه فكرهم الأشل العقيم   ، و ستحمله سبب الانتكاسة الرياضية الجديدة _ المضافة إلى سجل انتكاسات اقتصادية و تنموية و مائية _ و كأن ابن قرية " نجريج " الذي كان سفيرا ً راقيا ً لنا في كل المحافل ، و الذي لم يصل لمرحلة التعافي من إصابته و شارك رغم ذلك ، هو المتسبب في هذا العك التنظيمي الساقط الذي جعلنا " نكتة " باخت أمام العالم ، و أثارت نقمة الوفود المشاركة ، حين تحول فندق إقامة اللاعبين في روسيا  إلى فرع من شارع " الحميدي " أو " التجاري "  البورسعيدي الشهير ، او " سوق الثلاثاء " المفتوح للباعة الجائلين ، بجرائم تنظيمية خرقاء قامت بها شركة " w " الراعية و من ورائها " لوبي البيزنس " و التربيطات المعقودة تحت المائدة ، و هو " اللوبي " الذي  قام بالتحضير لزيارة " وفد العار " المنتسب زورا ً إلى الفن  ليخرج اللاعبين من صومعة المعسكر المفترض ، و هو اللوبي ذاته الذي تلاعب بتذاكر المباراة و فتح بها سوقا ً سوداء فاجرة ، برعاية أبناء مسئولين في الاتحاد المصري ، كما تواترت الأنباء أخيرا ً ، دون أن يفتح أحد فمه بكلمة : " سنفتح تحقيقا ً " !  
 داخلني  _ قبل المونديال _ خوف شديد على " محمد صلاح " و رمزيته و مكانته ، التي تكرست دوليا ً بسرعة فلكية ، على نحو لم يحدث لأي نابه مصري في أي مجال منذ عقود ، و كان سبب خوفي أن المونديال سيجبره إجبارا ً ، على أن يتلامس مع " المنظومة المصرية " المعطوبة مرة أخرى ، بحماقتها البيروقراطية ، و حقدها الموروث على النابهين ،  و طمعها الرأسمالي النهم ، و وولوعها  المرضي بالمظاهر الديكورية الجوفاء و " الشو " الإعلامي المسطح الساذج  ، و انخراطها المستمر في الأكاذيب من كل لون لتخدير الرأي العام و تضليله ، و هي المنظومة نفسها الآسنة المتمرغة في التراب التي ودعها " محمد صلاح " غير آسف _ قبل سنوات _ حين انتقل إلى نادي " بازل " السويسري ليبدأ رحلة الاحتراف الأوروبية التي نصبته نجما ً وضاء ، متربعا ً على عرش القلوب . 
 بدأ التحرش و التربص المجنون بنجاحات " محمد صلاح " المنطلقة بقوة النيازك و الشهب ، قبل المونديال ، حين سخر الكاتب الصحفي المنقوع في الماعون " الستيني " نفسه : " صلاح منتصر " من شعره و لحيته الخفيفة ، ب " جليطة " و عمى لا مثيل لهما ، و تواصلت رحلة التربص مع الإعلامي " مفيد فوزي " الذي قلل من نجاحات محمد صلاح ، و حاول إهالة التراب عليها ، إو إطفاء بريقها في أضعف الأحوال ، و وواتت لأعداء النجاح الفرصة ، حين تلامس " صلاح " _ كما بينا _  مع منظومة الفشل  المصري في المونديال  ، و لم تخل الأمور من حالة تربص " إيديولوجي " متطرف ضد بعض الميول أو المظاهر الدينية في سلوكيات " محمد صلاح " كسجوده عقب إحراز الأهداف ، أو رفع كفيه إلى السماء داعيا ً في بعض اللقطات ، أو حتى " لحيته الخفيفة " ، التي حفزت د " خالد منتصر " و رفاقه  _ بغريزة أسماك القرش المتعطشة للدماء _ أن يوجهوا الضربات المجهضة للشاب المتوثب في مساحة أخرى تتصل بمنطقة العقائد و الإيمانات ، و لا مانع من " لط " الحارس المجتهد " محمد الشناوي " معه في المقصلة لأنه رفض رمزية الخمور    ! 
 كنت أرى في سلوكيات " محمد صلاح " الأخلاقية الرفيعة ، و تواضعه الجم ، فضلا ً عن تدينه البارز في غير ادعاء ، و مثابرته " الأيوبية "  و موهبته المؤكدة و ذكائه الاجتماعي الإنساني المتحضر في التعامل مع " الآخر " المغاير ، لغة و فكرا ً و توجها ً ، حالة نادرة المثال من حالات " القدوة " يجب وضعها في " البرواز " أمام الشباب المختنق إحباطا ً و كمدا ً ، في وقت خلا فيه المشهد المصري من " الكبار " بحق في كل الأصعدة و المجالات ، بفعل فشل المنظومة  غير المسبوق ، و الانقسام المجتمعي الاستقطابي الرهيب ، و حملات التشهير الإعلامي المجنون ، التي طالت الجميع بغوغائية و عشوائية لا مثيل لهما ، و بماكينات " استباحة " موجهة  لم تعرفها مصر يوما ً بهذا الجنون ! 
 لا قيمة لما يثيره أعداء النجاح ضد " محمد صلاح " الآن ، منتهزين فرصة السقوط " المونديالي " المصري ، لأن " صلاح " ببساطة سيعود مرة أخرى إلى " لندن " ليعانق منظومة محترمة رفيعة ، و قوانين عادلة تفتح فضاءات النجاح لأي نابه أو متفوق ذي إرادة مهما تكن عقيدته او جنسيته أو لونه ، دون اضطهاد ( مكارثي )  مجنون أو تصنيف عفن ، و سيقابل في معسكرات " ليفربول " نفوسا ً متصالحة مع نفسها ليست مسكونة بالعقد و مركبات النقص ، نعم صلاح حالة نجاح صاعد برغم أنف الموتورين ، فمنذ سنوات ليست ببعيدة اضطر للالتحاق بمعهد اللاسلكي ، لعجز أسرته  عن تدبير ثمن دخوله جامعة كبيرة ، و هي الأسرة المكونة من أب يشتغل بالتجارة و ربة بيت مثابرة و أخ و اخت لا يملكان له إلا الحب ، ووصل " صلاح " إلى القاهرة و التحق بناشئي " المقاولون العرب " و خاض و هو ابن الثامنة عشرة ، أول مباراة في الثالث من مايو عام 2010 ، و سجل أول أهدافه امام " الأهلي " في الخامس و العشرين من ديسمبر عام 2010 ، و حين طرق الفتى الغض أبواب نادي الزمالك ، للانضمام إليه ، رفضت إدارة النادي بعجرفة و رعونة ، و تعلل " ممدوح عباس " رئيس النادي آنذاك ، بما أسماه " صغر السن و قلة التجربة " ! و لم تنكسر عظام الفتى أو ينكسر حلمه الطافر الأخضر  ، أمام المحسوبية و " كروت التوصية " و المنظومة القيمية المتداعية التي أضاعت غيره من  النابهين ، و حملت الصغار عديمي الموهبة و الكفاءة  إلى صدارة المواقع عن غير استحقاق ، فطوى أحلامه الكبيرة و ارتقى بها سلم الطائرة ، لتشع نجاحاته خارج قوس مدينة " بسيون " ، في " بازل " السويسري ، و " تشيلسي " الإنجليزي ، و " روما " الإيطالي ، و أخيرا ً _ لا آخرا ً _ " ليفربول " الإنجليزي "  ، و ليتوج أفضل لاعب في " إنجلترا " عام 2018 ، و أفضل لاعب إفريفي عام 2017 و لينضم ل " ليفربول " بصفقة بلغت 42 مليون يورو ، حيث نجح ، بموهبته و جهده المستميت ، في تسجيل ثلاثة و أربعين هدفا ً في موسم واحد ! 
 و للناعقين كالغربان ، الذين يشككون في ولاء محمد صلاح أو منجزه ، متسائلين : " ماذا قدم للمصريين ؟ " ، أقول : قدم لهم نموذجا ً عصاميا ً للنجاح و التحدي الجسور و الإرادة و اختراق منظومة العطن البيروقراطي الداخلي إلى فضاء النجاح الدولي المفتوح الحر ، و قدم من كيسه وحر ماله ما يقرب من ثمانية ملايين من الجنيهات ، أنشأ بها معهدا ً أزهريا ً ووحدة حضانات و تنفس صناعي في مؤسسات طبية في قريته " نجريج " ، و أنشأ وحدة غسيل كلوي لأبناء بلدته الفقراء ، و لم يستجب لغواية الميديا ، كما تورط بعض زملائه بسذاجة في مولد الإعلانات الرمضانية ، بل قدم ثلاثة إعلانات _ مجانية _ للتحذير من خطورة المخدرات ، أطل فيها على المصريين بابتسامته الدمثة المؤنسة ، التي انفتحت لها قلوب العرب و الإنجليز معا ً . و قدم _ قبل هذا كله _ صورة رفيعة لمسلم جديد متصالح مع العالم ، على نحو دفع الكاتب الإيراني المعروف  " مصطفى داننده " ، أن يكتب مقالا ً رائعا ً في صحيفة " عصر إيران  بتارخ 6 / 4 / 2018 " بعنوان : " من إسلام داعش إلى إسلام محمد صلاح " و هو عنوان يغني عن أي تعليق . واصل يا صلاح و لا تبتئس ، أو تلتفت ل " كهنة المعبد " الذين نسيهم التاريخ ! 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل ترى مصر قادرة على استضافة أمم أفريقيا 2019؟

  • شروق

    06:51 ص
  • فجر

    05:22

  • شروق

    06:51

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى