• الأحد 19 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر07:53 ص
بحث متقدم

القاهرة.. حاضرة الثقافة والفن والدين التي خسرها العرب

مقالات

في الفترة بين العشرين والخمسين من القرن العشرين ، كانت القاهرة هي حاضرة العرب والمسلمين الأهم والأبرز في العالم كله ، كانت الشمس التي لا يغيب ضوءها عن الجميع ، القمر المنير في ظلمات من الجهالة أو الاضطراب الطائفي والعرقي أو ضيق العيش ، في أغلب أنحاء العالم الإسلامي والعالم العربي ، فكانت مقصدا للجميع ، ومن ذهب إلى القاهرة فقد بلغ المدى في الحظ والسعادة ، وفتح لنفسه ولأسرته أفقا من الخير في مختلف المجالات كان يصعب أن يجده في أي مكان آخر ، وكل صاحب قصد أو حاجة فكان يقصد القاهرة ، واثقا أنه سيجد فيها حاجته ، ويحقق فيها مقصده ، سواء كان عملا أو علما أو ثقافة أو فنا أو أدبا أو حتى سياسة يشتغل بها عندما ضاقت بلاده به .

في القاهرة ذلك الحين ، كنت تجد نفرا كثيرا من السياسيين الذين فروا من بلادهم بسبب التضييق عليهم أو خشية حبسهم أو قتلهم ، فكانت القاهرة هي "الملجأ" والحصن والملاذ لكل صاحب قضية وطنية ، سواء كان من يلاحقونه من قوى الاستعمار الأجنبي في بلاده ، أو قوى سياسية أخرى حاكمة ، حتى شيخ الإسلام علي صبري ، مفتي الخلافة العثمانية ، عندما خاف في اسطنبول هرب إلى القاهرة ، فكانت ملجأه وملاذه ، وثائرون من الشام ومن الجزيرة العربية ومن شمال افريقيا ، كلهم كانوا في القاهرة ، تحتضنهم وتوسع لهم في عيشهم وفي أمنهم ويجدون في صحفها ومجلاتها متسعا للتعريف بقضيتهم السياسية ، ويجدون من ساسة مصر وأحزابها من يتضامن معهم ويساعدهم ويدعم قضيتهم .

وفي القاهرة ذلك الحين ، كنت تجد نخبة العالم الإسلامي كله في العلم والدين ، ومقصد الأفذاذ من مختلف المذاهب الفقهية ، يأتيها الشيخ أبو الحسن الندوي من الهند زائرا باحثا عن رفقة قمم العلم في الأزهر ، كما يقصدها العلامة التونسي محمد الخضر حسين لكي ينهل من أنهار العلم فيها ، ثم يبرع في تلك العلوم فلا يجد علماء مصر غضاضة في أن يتبوأ أعظم مقام علمي ديني في البلاد ، شيخ الأزهر الشريف ، كانت القاهرة أكثر تساميا ورقيا وإنسانية ، وكان الشاب الذي يبحث عن صدارة قومه في علوم الدين فليس له من مقصد إلا القاهرة ، وكثير من صداقات العلماء من الهند إلى المغرب تنعقد في أزقة القاهرة المملوكية القديمة وبيوتها الهانئة والغامرة بالخير والصفاء وقتها ، وفي ذلك قصص عجيبة تروى سجلتها لنا بعض كتب التأريخ لتلك الفترة .

وفي القاهرة ذلك الحين ، كانت عاصمة الثقافة والفكر والأدب العربي والإسلامي ، ومقصد كل متمرد في أي مجال فكري ، وكنت تجد فيها نشطاء من جزيرة العرب لهم أفكار متحررة وأحيانا تقترب من الإلحاد ، فلا يجدون محضنا يأمنون فيه على حريتهم الفكرية إلا في القاهرة ، يغشون مجالس أهل الفكر فيها وينشرون كتبهم منها ويحررون مقالاتهم في صحفها ومجلاتها ، وكان المفكر الذي يبحث عن شهرة أو بروز في قومه فليس أمامه سوى سبيل واحد ، أن يذهب إلى القاهرة ، فيشتهر في بلاده نفسها ويصبح نجما ، لأنه معروف في القاهرة !، وحكى الأديب الشامي الكبير علي طنطاوي قصصا عجيبة في هذا الشأن ، وهو ممن قصد القاهرة ونشر في بعض مجلاتها فأصبح علما بعدها ، وفي القاهرة توهج أصحاب الأفكار الخلاقة الجديدة مثل الجزائري مالك بن نبي وانتشر فكره في مختلف بلاد العرب ، وقد قابلت عددا من رفاقه المغاربة الذين سكنوا معه في القاهرة حينها فحكوا لي قصصا كأنها الخيال .

والقاهرة في ذلك الوقت كانت رحما ولادة بالرموز في كل فن ، وحتى يومنا هذا ما زالت قوة مصر الناعمة التي يعيش عليها أجيالها الحالية والمقبلة هي تلك النجوم التي تلألأت في ذلك الحين ، ما زالت أسماء مثل طه حسين ومصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد ومصطفى عبد الرازق وأحمد حسن الزيات ونجيب محفوظ ، وغيرهم الكثير الكثير ، وأدباء وشعراء من قامة أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ، هم الشباب الذين توهجت ملكاتهم في مناخ القاهرة وصنعوا للثقافة العربية والأدب العربي مجدا لم يعوضوه حتى اليوم .

وكانت القاهرة في ذلك الوقت تعيش أجواء من التسامح الفكري لا مثيل لها ، ولا في الغرب الآن ، كانت هناك نخبة من أصحاب الفكر الديني السلفي ، تتبارى مع نخبة من أصحاب الفكر اللاديني المتأثرة بتيارات حديثة في الغرب ، مع نخبة أخرى من الملحدين ، يتبارون بالقلم والفكر ، وميدانهم الصحافة ، ونفوسهم يسع بعضها بعضا ، وكان من عجيب الأمور أن تجد المفكر الملحد المشهور وقتها الدكتور عبد الرحمن بدوي صديقا لعالم الدين السلفي المتشدد الشيخ أحمد شاكر ، ويزوره في بيته ويسامره ويكرمه الشيخ وتكون بينهما مكاتبات أخوية ، لا يقطعها حماسة كل منهما لعالمه الفكري ولا دفاعه الشديد عن أفكاره التي يؤمن بها ، وكنت تجدا وقتها مؤسسة قبطية مسيحية مصرية كبيرة تلجأ إلى أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي ـ صاحب كتاب تحت راية القرآن ـ لكي يكتب لها ـ بأسلوبه العذب ـ كلمة خاصة بها تذيعها على أبناء الطائفة في ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام!.

وحتى على مستوى الفن والفنانين ، وعلى الرغم من أن القاهرة لم تكن مركزا لصناعة السينما والفنون في البداية ، إلا أن أجواء التحضر والحرية والتسامح التي تخيم على مناخها السياسي والثقافي والديني جعلتها مقصدا لكي مشتغل بالفن من أي لون ثم أصبحت عاصمة الفن كله ، فهاجر إليها عدد كبير من الشوام الذين برعوا في فنون مختلفة ، مثل الغناء والتمثيل والمسرح وغيره ، ضاقت عليهم بلادهم وما جاورها ، فقصدوا مصر لكي يقدموا فنونهم ويعرفوا العالم العربي كله بها ، فظهر نجم عدد كبير منهم بعد أن كان نسيا منسيا وهو في بلاده .

وحتى على مستوى البنية الأساسية ، بمعايير ذلك الوقت ، كانت القاهرة مضرب الأمثال في النظام والنظافة والمواصلات والخدمات كافة ، بل كانت القاهرة تفوز في مسابقات دولية بجائزة العاصمة الأكثر نظافة في العالم كله ، وإذا كان بعض أبنائها يسافرون إلى عواصم أجنبية لتحصيل العلم في بعض الجوانب ، فقد كان طلاب من تلك العواصم يأتون إلى القاهرة لتلقي العلم أيضا في جوانب أخرى ، وكان في القاهرة في ذلك الحين طلاب من اليابان ومن ايطاليا ومن انجلترا نفسها ، يدرسون بعض جوانب علوم الطب للمناطق الحارة التي تميزت فيها جامعة القاهرة بحكم موقعها الجغرافي .

مع الأسف ، خسر العرب ، قبل المصريين أنفسهم ، تلك الحاضرة الإنسانية الجميلة ، ضاقت النفوس ، وانحسرت العلوم والمعارف ، وظهرت دولة الرأي الواحد والهوى الواحد منذ 1952 ، واضطربت أمور الاقتصاد وضيق العيش ، فأصبحت مصر طاردة للكفاءات والمواهب ، وبدأ علماؤها يتلمسون موقعا لهم خارجها بحثا عن عيش كريم أو فرصة لنشر علمهم وفكرهم ، وتحول أدباؤها إلى ما يشبه مراسلين لصحف ومجلات كانت تصدر في بيروت أو الخليج ، وعلى الرغم من جهود عربية عديدة ومهرجانات ومؤتمرات ومؤسسات علمية وأدبية ودينية هنا وهناك ، إلا أن مدينة أخرى في طول بلاد العرب وعرضها لم تعوض غياب القاهرة ، لقد خسر العرب بخسارة تلك الحاضرة الكثير .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:03 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:39

  • عشاء

    20:09

من الى