• الأربعاء 19 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر04:07 ص
بحث متقدم

مبادرة الإخوان للمصالحة في طبعتها المعدلة !

مقالات

بمناسبة الذكرى الخامسة لمذبحة ميدان رابعة الشهيرة ، أصدرت جماعة الإخوان بيانا جديدا يحمل ما يمكن وصفه بمبادرة ، ضمن سيل المبادرات الذي تواتر في العامين الأخيرين ، من الإخوان ومن غيرهم ، مبادرة الجماعة صدرت في بيان وزع على وسائل الإعلام باسم "تعالوا إلى كلمة سواء .. وطن واحد لشعب واحد" ، حمل الإدانة التقليدية لما جرى في مصر طوال السنوات الماضية منذ الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي ، لكني لاحظت أن البيان الجديد للجماعة يتحدث عن "الحل الأفضل" للخروج من الأزمة ، ويقول ما نصه : (أفضل طريق للخروج من هذا النفق المظلم هو عودة الرئيس مرسي لسدة الحكم على رأس حكومة ائتلافية يتم التوافق عليها من القوى الوطنية لمدة محددة وكافية، يتم خلالها تهيئة البلاد لإجراء انتخابات حرة نزيهة تشرف عليها هيئة قضائية مستقلة، تتوافق عليها القوى الوطنية دون إقصاء لأحد) ، وبغض النظر عن المطلب "الحالم" بقيام الرئيس عبد الفتاح السيسي والجيش والقضاء ومؤسسات الدولة المصرية بدعوة الدكتور محمد مرسي بالخروج من محبسه لتسلم رئاسة الجمهورية ومناشدته الدعوة لإجراء انتخابات جديدة ، والذي أعتقد أنه كلام عاطفي فارغ لدغدغة مشاعر المحبطين من أعضاء الجماعة الذين راحوا ضحية إدارة فاشلة وتخطيط جاهل وعمى كامل في رؤية الخريطة السياسية وموازين القوة فيها ، إلا أن تعبير "أفضل طريق" الذي استخدمه بيان الجماعة هو تعبير جديد ، بعد أن كان الحديث سابقا عن "الطريق الوحيد" ، يبدو أن الجماعة بدأت تمهد عقول أعضائها لتقبل "حلول أخرى" ، وإن كانت قيادتها الآن "تفضل" حلا من بين هذه الاختيارات ، هذه نقلة جديدة ، ولا أتصور أن من وضعها وضعها اعتباطا ، وخلال الأشهر المقبلة ستظهر مؤشراتها في الواقع العملي .
البيان حمل اللغة الشاعرية الفضفاضة المعتادة من جماعة الإخوان عندما تتهرب من تحديد مسئولياتها ومن الالتزام بخطواط وتعهدات محددة ، ويضيف : (أعضاء الإخوان المسلمين جزء أصيل من النسيج المجتمعي، وقوة فاعلة من قواه الوطنية الحية، وهم يسعون لخيره وخير أبنائه جميعا، ولا يرون أنفسهم بديلا عن الشعب، أو ممثلا وحيدا له، ولا يحتكرون الوطنية ولا العمل الوطني، ويعتقدون أن الوطن يسع الجميع، ويحتاج في بنائه إلى الجميع، وأن التهميش والإقصاء سوأة نفسية وفكرية وخسارة اجتماعية ووطنية في آن واحد) .
وبطبيعة الحال هذه لغة حال الهزيمة والاستضعاف ، وليست هي لغة الكبر والغطرسة التي كنا نسمعها ونواجهها في زمن ركوب السلطة في 2012 ، و2013 ، اكتشفوا اليوم أن "التهميش والإقصاء سوأة نفسية وفكرية وخسارة" ، ولكن تبقى المشكلة في حديثهم عن "النسيج الوطني" أن تسعين بالمائة من هذا النسيج يحاربه الإخوان حاليا ويرفضونه ويتهمونه بخيانة "الشرعية" والانقلاب على الشرعية ، وجبهة الخراب والتحريض على "الرئيس الشرعي" والراقصون على الدماء ، إلى آخر الخطاب الدعائي الإخواني الشائع والمعتاد خلال السنوات الماضية وحتى الآن ، فعن أي قوى وطنية يتحدثون ، هل سنستورد قوى ورموزا وشخصيات وقيادات وأحزاب وائتلافات من الخارج ، وهل يمكن أن يعتذر الإخوان عن "تخوين" الجميع ، وأن يعلنوا توقفهم عن نشر الكراهية والسباب والاتهامات في اي حوار وطني مصري الآن ، وهل يمكنهم أن يفسروا سبب تصديهم لأي شخصية سياسية معارضة جديدة تبرز أو دعوة ـ من غيرهم ـ لحوار وطني ، ولماذا يكونون أول من يشهرون بأصحابها ، وأول من يصنفونهم في خندق الخونة والمتآمرين .
تحدث بيان الجماعة الجديد عن المؤسسة العسكرية ، واستخدم لغة شاعرية أيضا ، حيث يقول : (وأكد الإخوان حرصهم المتين على الدولة ومؤسساتها التي هي ملك للشعب المصري وحده، ومن بينها المؤسسة العسكرية الوطنية، وهي إحدى مؤسسات الدولة المهمة التي يتكون قوامها من أبناء المجتمع المصري كافة ومن كل أطيافه عامة، وأنهم حريصون على استمرارها في أداء مهامها التي ينص عليها الدستور والقانون في حماية حدود الوطن وأمنه القومي والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه؛ ما يقتضي إيقاف توغلها في الحياة السياسية والاقتصادية، وهو ما ألقى عليها مهمة غير مهمتها، وهي إدارة شؤون الحكم في البلاد) .
فهل تعتذر الجماعة عن تحريضها على انقسام "المؤسسة العسكرية الوطنية" في 2013 ، وترويجها الأكاذيب عن انقلابات داخلها ، هل تملك الشجاعة على فعل ذلك الآن ، وإذا كان الإخوان يدعون إلى "وقف توغل الجيش في الحياة السياسية" ، فلماذا دعوا الجيش الجزائري إلى "التوغل في الحياة السياسية" قبل شهر واحد فقط ، أم أنه حلال ـ عندهم ـ للجيش الجزائري حرام على الجيش المصري .
مبادرة الإخوان ختمت بدعوتها "الجميع" إلى إجراء مراجعات جادة ، وتقول : (إننا نؤمن بأن مراجعة النفس واجب كل جماعة وفصيل، وهي حق للوطن على الجميع، وتعد نقطة الانطلاق لأي تصحيح، كما تمثل قاطرة الإصلاح المنشود) ، فهل هذه الدعوة تشمل الإخوان أيضا ؟ الذين يقولون اليوم : عن أي شيء نعتذر ؟ ، وهل يمكن للجماعة أن تقدم نموذجا للآخرين في تلك المراجعة الجادة وتكشف عما أخطأت فيه وتعتذر عنه وتتعهد بعدم تكراره ، خاصة وأن بيانها يعترف بأن هذه المراجعة هي "نقطة الانطلاق لأي تصحيح" وأنها "حق الوطن على الجميع" ، هل يمكن أن تؤدوا حق الوطن ، وتضربوا المثل للآخرين في شجاعة المراجعة والاعتراف بالخطأ والتعهد بتصحيحه ؟
مشكلة الجماعة كانت ـ ولا زالت ـ في المراوغة ، والهرب من أي التزام تجاه الوطن أو تجاه القوى الوطنية الأخرى أو تجاه مؤسسات الدولة أيضا ، وتصور أن الآخرين غافلون عن "مكرها" ، وأن قادتها "يلعبون بالبيضة والحجر" ، وهي الثقة الساذجة والمثيرة للشفقة التي أوقعتهم بسهولة في 2013 ، وأعادتهم نصف قرن للوراء .
رحم الله الشهداء الذين سالت دماؤهم الذكية في ميدان رابعة نهار 14 أغسطس 2013 ، ويوما ما ستظلل العدالة وقائع وتاريخ تلك المذبحة التي لم يحدث لها مثيل في مصر منذ عهد محمد علي ، يوما ما سيحاسب الجميع ، من قتل ومن خطط ومن حرض ومن بارك ومن شحن النفوس لصدام لا يمت للعقل بصلة ، ومن جعل الأرواح البريئة أوراقا للتفاوض السياسي .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:23 ص
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:01

  • عشاء

    19:31

من الى