• الأربعاء 21 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر12:17 م
بحث متقدم

الحروب الصليبية في(قناة الحرة)

مقالات

عرضت قناة الحرة في 28 ابريل الماضي موضوع الحروب الصليبية وطرح ا/إبراهيم عيسى سؤالا هاما :هل كانت الحروب الصليبية (6 حروب خلال 200 سنة) حروبا دينية أم حروبا استعمارية.. وقارن بينها وبين الفتوحات الإسلامية وخص الأندلس بوقفة هامة حول هذه المقارنة . وكعادة البرنامج في تناوله لموضوعات دينية وتاريخية كبيرة بطريقة مسطحة وبسيطة.. تناول أيضا الحروب الصليبية ..وأتصور ان البرنامج يتناول تلك الموضوعات الكبرى بهذه البساطة وهذه الخفة ليس لتسهيل فهمها والمعرفة بها ولكن ليسهل على صاحب البرنامج أخذ المشاهد بسهولة في الطريق الذى يريده ويفرض عليه المعنى الذى يقصده ..فالفتح الإسلامي مثلا كان لبلاد محتلة تعانى شعوبها من ظلم الاحتلال وقهره وهو ما جعل الفتح يتم بسهولة وسرعة.لكن البرنامج يضعه في كفة واحدة مع الغزو الصليبى ..وقل مثل ذلك عن الأندلس(شبه جزيرة أيبريا)والتي كان يعانى سكانها الويلات من حكامها القوط  وبذلوا جهدا كبيرا لاقناه المسلمين بدخول الجزيرة بعد أن ذاع صيتهم في العدل والتحرير. وما كانت حروب ايزابيلا وفرديناند في الاندلس الا توليفة خاصة داخل مطبخ الملك والباباوات وكان اجتماع كلمتهم  أ على محو الإسلام من الأراضي الأوروبية المتصلة برا وكان ذلك مرتبط أيضا بقصة الصراع المديد بين الشرق والغرب والذى كان على أشده وقتها مع تصاعد الدولة العثمانية  في شرق اوروبا وكانت الأندلس جزء منه (1492م) .
 البرنامج يريد أن ينفى أن الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي كانت بدوافع دينية وانها فقط مجرد حالة استعمارية  لنهب الثروات والخيرات.. لاحظ أولا أنك هنا تتعامل مع قناة فضائية (موجهة)من الدولة التى تمثل رأس الحربة في الرمح الغربي المسيحي الى الشرق الإسلامي كله.. وألفت نظر الجميع إلى ان(التتر الثابت) لهذه القناة هو مشهد خيول تجرى على ضفاف شواطئ وهو مشهد قتالي واستعماري بامتياز .
هناك حرص إذن على إخفاء الدين والثقافة الدينية كعامل رئيسى في تلك الأحداث التاريخية الهامة سواء من خطبة البابا أوربان الثانى في كليرمون  الفرنسية سنة 1095م او دخول الجنرال الانجليزى إدموند إللنبى القدس فى 1917قائلا : الآن انتهت الحروب الصليبية .. ولا في وقفة الجنرال جورو الفرنسي على قبر صلاح الدين في دمشق  سنة 1920م قائلا ها قد عدنا يا صلاح الدين ,, ولا دخول بول بريمر بغداد 2003م ,,ولا في إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل 2017 م  ولا في عربدة الثلاثى اليهودى(كوشنر وجرينبلات وديفيد فريدمان) في أحشاء وقلب الأمة ..كل هذا التسلسل السلسيل السلسال لا علاقة له بالدين بل ليس له خلفية دينية على الإطلاق !! وعليك أنت أيضا ان تتبع وجهة النظر(الحضارية)هذه بإبعاد الدين عن الموضوع كله من فهم ما يحدث ويجرى طوال القرون الماضية بين الشرق والغرب .
عليك أن تتبع برامج قناة الحرة في(ارتخاء تام)لفهم هذا الصراع التاريخي داله ومدلوله.. مقدماته وذيوله وتترك خلف ظهرك ما كتبه لنا زعماء الإصلاح في العصر الحديث رؤية وفهما وتفسيرا لهذا الصراع..من جمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان الى مالك بن نبى وعبد الوهاب المسيرى .
بل أن مقولة الشاعرالانجليزى(روديارد كبلنج) الشهيرة :الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا ..والتى ستظل تحمل الكثير من معاني الحقيقة التى تعكس واقع العلاقات بين الشرق والغرب عليك أيضا ان لا تلتفت اليها . 
الشرق مختلف عن الغرب ولا يزال الاختلاف قائم ولن يزول في المستقبل لا من اختلاف التجارب التاريخية ولا من اختلاف التطلعات السياسية والاجتماعية والحضارية وإذا ما حدثت هدنة ما بين الشرق والغرب فإنها عادة ما تكون استثناء وتعود الأمور إلى ما كانت.. حدث ذلك في الماضي البعيد والقريب ويحدث الأن في الزمن الحاضر وكل الشواهد في كل الأحوال تؤكد حقيقة شاعرالإمبراطورية العتيد :الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا .
والشرق هنا هو الشرق الإسلامي كله وما يمثله من تحدى ثقافى وحضارى يحمل فى داخله مشروع إحياء ضخم للقيم (الإنسانية الكبرى) وعلى رأسها قيم العدل والرحمة والحق وعلى أسس فكرية وأخلاقية عميقة تستند إلى خطاب إيماني صادق يرتكز على التوحيد والعبادة للخالق الواحد والكرامة والحرية التامة للمخلوق ..وهذا ما لا يطيقه الغرب ولا يريده ولا يقبله .
لكن لايفوتنا هنا أن نشير الى دور أحد رجالات التاريخ الكبار الذين فهموا الحقائق كما قال شوقى عنهم :       
فهموا السر حين ذاقوا وسهل ** أن ينال الحقائق الفهماء.
إنه (عماد الدين زنكى) الذى كان أول من أدرك أن الأمن الإستراتيجي للعالم الإسلامي يكمن فى توحد مصر والشام..وهى الحقيقة التى يزيدها التاريخ تأكيدا كل يوم.. فبعد توليته على ولاية الموصل عام 1131م (بعد الحملة الصليبية الأولى بحوالي 40 سنة )إتجه بعينه صوب حلب وضمها اليه. وبدأ في ترتيب المنطقة على نحو شعر معه الصليبين بالخطر..ثم استعاد إماره(الرها)والتى كانت الصيحة الأولى فى هزيمة الصليبيين فى العالم الإسلامي  كما يقولون  ذلك أنها كانت أول إمارة صليبيه تم تأسيسها(1098م)تلتها ثانى إمارة بعد عام واحد فى بيت المقدس. لذلك كان استعاده هذه المدينة (1144م) بمثابة القطرة الأولى فى الغيث الذى جاء بعدها متتاليا منهمرا بعد أن امتلأ الأفق فى العالم العربي والإسلامي بالإحساس الحقيقي بالخطر الداهم وكان لها اثر معنويا كبيرا على المسلمين الذين ما لبثوا ان سرت فيهم الروح الجهادية العالية واستردوا ثقتهم بأنفسهم  ..
يقولون أن عماد الدين لم يستعد  إمارة الرها فحسب إنما استعاد للامه كلها (روحها الحقيقية).. بعد ان كانت الهزائم تتوالى دون أن يوقفها احد وكأن الجميع مستلبون.. وهو الخطر الحقيقى الذى أدركه الصليبيين فخططوا للخلاص من الرجل شخصيا .. ونجحوا فى ذلك بالفعل ولكن كان السهم قد مرق .. وكانت الروح التى استولدها عماد الدين من الرماد قد سرت فى أوصال ومفاصل الأمه كلها والتى ما لبثت ان عادت لنفسها.
الدولة الصهيونية تعتبر أن فتره الحروب الصليبية مادة مرعبة للبحث والفحص والدراسة لا تنتهي على كل المستويات الإستراتيجية والسكانية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية كون هذه الحروب أسست ممالك استيطانية إحلاليه دامت قرابة قرنين ثم زالت(مع خالص تحياتى لكوشنير وجرينبلات)وهو الهاجس الذى لا يغادر العقلية الصهيونية أبدا..
يصف ابن الأثير عماد الدين فيقول (كان شديد الهيبة في عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوى على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلاً وسكاناً، وكان أشجع خلق الله).
قناة الحرة ومذيعوها لا يقرأون التاريخ جيدا .! 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • عصر

    03:40 م
  • فجر

    04:00

  • شروق

    05:29

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:37

  • عشاء

    20:07

من الى